مقال

التجاذب بين الأرواح

هل شعرت يوماً ما بأنك انجذبت لشخص لمجرد أنك رأيته مرة واحدة؟ هل جلست يوماً مع أحد الأشخاص لأول مرة وشعرت بأنك تعرفه منذ زمن؟ هل رأيته بموقف وأحسست أن روحيكما تعلقتا بشعور غريب؟

‏فالأرواح لها قدرة على التخاطر وإدراك خبايا الأنفس وأثرها عميق بعمق تجاذب تلك الأرواح، فالقلب الطيب من الناس يحنّ إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره ومن يشاكله، كل إنسان له شبيه روحي يتناسب معه، فكما أن هناك من يحبك بلا سبب، فإن هناك أيضاً من يكرهك بلا سبب.

قد تُعجب روحك بروح إنسان آخر تحس بمشاعر لا تعرف لها تفسيراً ولا تجد لها أثراً، فقط سوف ترتسم على جبينك ابتسامة تعجّب وتحس بشعور يمازج قلبك وفرح يداعب وجدانك وقد تستغرب أن جمع الله بينكما بموقف عجيب وغريب، هذه المواقف تجعل الإنسان يتأمل ويتفكر:

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة

“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف”، الحديث يشير إلى مسألة تآلف الأرواح التي تشابهت في الطباع والمزاج أو التركيب النفسي عكس تلك الأرواح المختلفة في الطباع والأمزجة أو التركيبات النفسية المعقدة. إن تجاذب الأرواح من أسمى وأرقى العلاقات الإنسانية، لأن الوجوه والأشكال تتكرر، أما الأرواح فلا تتكرر، فعالم الأرواح يتعدى الشكليات والماديات حيث التجانس في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية يورث تجاذب الأرواح، وهذا ما يسمى بالتخاطر العاطفي أو تجاذب الأرواح.

أرواح التقت واتفقت واشتاقت، يجمعها تجانس عجيب يساق بعضها إلى بعض، ويقول جبران خليل جبران: “ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تأتي بالمعاشرة الطويلة، ‏إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي”.

غالباً عندما تحب روحاً عابرة فتلك الروح تحب ما بداخلك، وهذا هو مبدأ تجانس الأرواح، مما يعني تدفق الحب بسهولة وانعقاده بلا تكلف أو مقدمات، إن التوافق بين إنسان وآخر لا يكون بسبب توافق عمري ولا جنسي ولا لوني أو بطول العشرة ولا بالرفقة المستمرة، ولكنه سر من أسرار التوافق الروحي،‏ واتحاد الأرواح في المفهوم الطاقي وتجاذبها هو توافق وتشابه في الهالات والذبذبة العالية والمرتفعة، فعندما يتناغم الفكر وتتعانق الأرواح ‏تتحطم أمامها كل المفاهيم المادية ليخلق توافق روحاني حيث تأخذنا الأقدار لنتقابل مع أرواح ‏تتجانس معنا، نحس بما يحسون ونستشعر ما يستشعرون وكأن هناك رابطا بين أحاسيسنا، والطبيعة شاهدة من حولنا على التوافق والتنافر، ففي الكيمياء هناك أيونات تتفاعل وتتجاذب، وفي الفيزياء عناصر تتآلف وتتنافر، وتجاذب الأرواح أقوى أنواع التجاذب، لأنها الأصدق إحساساً والأكثر عمقاً.

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة.

وفي علم النفس، سبب عدم قدرتك على إخراج شخص ‏من تفكيرك هو أن الشخص ذاته يفكر بك، إنه ‏تجانس الأرواح، والتشابه الأخلاقي يولد تجاذبا في الأرواح، ف‏روحه تحمل نفس المشاعر ‏ونفس الأفكار. ‏نذهل أحياناً عندما نجد إنسانا يشبهنا ليس بالمظهر ولكن في الروح، وهنا قد نتساءل: كيف يقع الحب؟

إن الحب الذي نتحدث عنه بين شخصين إنما هو أشبه بطاقة كامنة موجودة من قبل ويتم تأجيل المشاعر إلى حين وصول اللحظة المادية التي تجمع الروحين بلقاء حاسم فيتحقق تلاقي الأرواح و‏تناغم الفكر وتجانس النبض ولذة النظر، من هنا يمكن القول بأن علاقات الحب الناجحة المستمرة سببها تآلف الأرواح والعكس صحيح، ولعل هذه الظاهرة غريزة فطرية بعيدة عن الحواس الطبيعية الخمس.

في حياتنا أشخاص يعنون لنا الكثير والكثير مع أننا لم نخالطهم إلا فترة وجيزة وعليه لا يكون هذا التعلق ذنبا لأن تجاذب الأرواح أمر لا إرادي فالأرواح جنود مجندة، نحن لا نحب حين نختار ولا نختار حين نحب، إننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت.