مقال

تلك كانت رحلته إلى أرض الأحلام

لم يبارح منزله، منذ سماعه ذلك الخبر. أشهر من التفكير والتحليل، أمضاها وهو في حالة من الذهول. هذا الرجل الأربعيني، الذي جاء إلى أوروبا، فتى يافعاً بأحلام كبيرة. 
ابن السبعة عشر عاماً، القادم من قرية صغيرة مختفية بين البراري والجبال وكروم العنب، وجد نفسه وحيداً في بلاد غريبة وشاسعة. هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله. أبعدوه وتعاملوا معه ببرود. كان شاباً مرهف الإحساس، انسحب بهدوء وتقوقع وحده في عالمه الخاص.

ثلاثون عاماً مرّت. تزوج خلالها وأصبح أباً. أحبّ عائلته، وتمسّك بها بشدّة. خاف أن يكرّر الزمن لعبته ويحرمه من عائلته الجديدة، بعد أن ترسخت ذكريات آلام فراقه عن أهله في أعماقه.  

ها هو القدر يلوّح له من جديد حاملاً مفاتيح زنزانته هذه المرّة. مهدّداً إيّاه بحياة خلف القضبان، بعيداً عن أطفاله وزوجته. ها هو يلصق به تهمة تحرّش، لا علم له بها. 

كانت امرأة بتفكير شيطاني قد نسجت قصّتها بهدوء، وأطلقتها في الوقت المناسب.  

اقتبست روايتها من الأفلام وأضافت إليها من خيالها. هدفت القضاء على رجل، لم يلتفت إلى مغازلاتها له ومحاولاتها اليائسة للتقرّب منه. 

وضعوه خلف الزجاج في قاعة محكمة. هو مجرم إلى أن تثبت براءته. مرّت أيّام قبل أن ينطق المحلّفون بحكمهم. 

كانت تأوي إلى فراشها بفرح الانتقام لجميع علاقاتها الفاشلة، والتجنّي على إنسان بريء. لكنّه رجل! أرادت من خلاله الثأر من جميع أبناء جنسه.

هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله
كان عاجزاً عن التركيز أو التفكير. نحت الأرق حفرتين حول مقلتيه، بعد أن أحرقت روحه فكرة إبعاده عن أطفاله.
لا يزال صدى كلماته يتردّد في أعماقي. في اليوم الأخير وقبل صدور الحكم كنت متأكّدة من براءته. وكان هو يتشبّث بأي كلمة تمدّه بالأمل. لكنّه قال لي وبغصّة تخنق حلقه ودموع تتجمّع في عينيه:
“قتلوا روحي وتحوّلت إلى إنسان آخر لم أعد أعرفه. هل يعقل أن أكون أنا هنا؟ أنا خائف. الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. حذّري ابني، الذي لن أراه لسنين طويلة، من الاقتراب من امرأة مريضة نفسياً”.  

جلست هناك أترقّب صدور الحكم، أمسكت ابنته بيدي من جهة ووالدته باليد الأخرى، كانت تعصر يدي من دون أن تشعر بذلك، وكنت أرتجف وأحاول طمأنتها:

“بريء. لا تقلقي”. لحظات مرّت ببطء شديد، كادت أن تخنق أنفاسنا. 

كانت امرأة بشعر أبيض رمادي، تلك التي نطقت بالحكم من قبل هيئة المحلفين:”مذنب”.

لم أستوعب الأمر إلاّ بعد أن اخترق صراخ ابنته قاعة المحكمة، وانهمرت دموع ابنة العشرين عاماً، التي ترى في والدها مثالاً أعلى للأخلاق والقيم. لم تفهم والدته مجرى المحاكمة والتفتت إليّ بدهشة، وصرخت: “ماذا جرى؟”.

نظرت من حولي، فرأيته متجمّداً في مكانه، يراقب ابنته، عاجزاً عن الاقتراب منها، أو ضمّها كما اعتاد أن يفعل كلّما واجهتها محنة.

“ماذا أقول لأخوي الصغيرين؟ ماذا أقول لهما حين يسألان وين بابا؟”، سألتني ابنته بحرقة. 

عانقتها بعد أن شلّ لساني. وعادت بي الذكريات إلى أزقّة ضيعتنا الصغيرة، حين ودّعناه مراهقاً. رحل عنّا مرغماً. تلك كانت رحلته إلى أرض الأحلام.

Author


كاتيا يوسف

كاتيا يوسف

صحافية لبنانية