مقال

طرق حل النزاعات

ثمة حقيقة قائمة في الطبيعة وكذلك في الحياة نفسها ألا وهي النزاع أو الصراع أو التناقض، فالتناقض تجده بين الوجود والعدم، بين الحياة والموت، بين المطلق والنسبي، فكما أن الصراع قائم بين الماء والصحراء والضوء والعتمة تجده أيضاً بين الأفراد أنفسهم والمجتمعات والأنظمة والدول.

نقلت إلينا الكتب نزاع قابيل وهابيل، أي بين الإنسان الصيّاد والإنسان المزارع، بين من يجمع الغذاء من جهة ومن ينتج الغذاء من جهة أخرى، فإن قابيل وإن قتل هابيل إلا أن أحفاد هابيل وذريته كانت فيما بعد لهم الغلبة، لذا قامت المجتمعات الأولى على ضفاف الأنهر كوادي النيل وبلاد ما بين النهرين وضفاف نهر السند، ففي الوقت الذي بدأت المجتمعات الأولى على أحواض الأنهر راحت المجتمعات التي تقتات من الصيد تنقرض نحو الزوال.

فالمجتمع هو حضارة وتاريخ ولغة وأرض ومصالح اقتصادية يتميز بها أي شعب كان عن سائر الشعوب الأخرى، والأرض والمصالح لها حدود ومقومات وركائز، إلا أن الحدود والمصالح المشتركة ظلّت على الدوام عُرضة للتنازع تبعاً لموازين القوى..

فمصر القديمة كانت عليها حماية حدودها الجنوبية من النوبيين وحدودها الشمالية من الحثيين، وبلاد الإغريق كان عليها خوض حروب دامية بمواجهة الفرس وكذلك أيضاً كان الصراع بين روما وقرطاج.

إلا أن الحروب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فقد شهد العالم القديم أولى معاهدة سلام بين مصر الفرعونية والإمبراطورية الحثية في القرن الثالث عشر ق.م، وهكذا تم حل النزاع بالطرق السلمية والمفاوضات.

وإن استطاعت روما محو قرطاجة عن وجه الأرض فإنها هي نفسها اضطرت لمفاوضة البرابرة لوضع حد لغزواتهم عبر نهر الدانوب، وقبل ذلك بقرون عمد الإسكندر الكبير لمحاولة إيجاد عالم بدون حروب من خلال دمج الإغريق بالفرس، وفي الغرب بعد مائة سنة من الحروب بين فرنسا وبريطانيا اضطر البَلدان لعقد سلام بينها.

إن الحروب الدامية التي خاضها نابليون بونابرت هي التي أوصلت أوروبا إلى الاتحاد بين حربين عالميتين (1914 -1918) (1935-1945) اللتين أهلكتا حوالي مائة مليون من البشر، فقد حفظت البشرية درساً مريراً من جراء الحروب، فلا بد بالتالي من حل النزاع بين الدول بالطرق السلمية، والحق أننا نعيش في عالم مشبَع بأسلحة الدمار الشامل، فالنادي النووي يضم سبع دول تملك قنابل ذريّة ودولة غير معلنة هي إسرائيل”.

لقد كان لافتاً ومعبراً أن الكونغرس الأميركي وقد راعه ما جرى في اليابان في هيروشيما وناغازاكي عام (1945) أن استدعى العالم “أوبنهايمر” لاستيضاحه حول إمكانية إيجاد سلاح وقائي من مخاطر الحرب النووية أن تصيب أميركا، فأجاب: “نعم هناك سلاح وقائي واحد ألا وهو السلام”!