مقال

قرأت لك: صنع العادات

نواصل التطواف في الجزء الثالث والأخير من كتاب “صنع العادات، كسر العادات”، ويحمل هذا الجزء عنوان “تغيير العادة”، وفيه الفصول من (9 – 13). يتحدث الفصل التاسع عن بناء العادات، ويؤكد جيرمي دين على أن العادات لا تختفي، ومن ثَمَّ لا نبحث عن قهر عادة ما، بل نحاول تغيير العادة فحسب.

يرشدك المؤلف في مطلع هذا الفصل أن تسأل نفسك: ما العادة التي أريد بناءها؟ من أين يأتي الدافع؟ متى وكيف يجب عليَّ ممارسة السلوك ليتحول إلى عادة؟ كيف أتعامل مع الفشل وعدم الرضا ومشكلات الحياة اليومية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تختصر لك مسافات شاسعة في مشوار تحقيق أهدافك.

اختر هدفًا عظيمًا وضع في حسبانك أن بلوغه سيأخذ وقتًا ومجهودًا كبيرين، ولا تقع تحت وطأة التخيلات الإيجابية، فرِّق بين التخيل والتصور. إن طريقة تخيل نفسك ناجحا ستنجح لم تعد فعالة، الأمر أكبر من مجرد التخيل، ثم التزم بهدف محدد؛ فكل شيء لا يستقيم من دون الالتزام. استعمل – إن شئت – التخيل والتصور معًا بشرط أن تقرن بهما المقارنة؛ فتصبح المعادلة على النحو الآتي (التخيُّل: رؤية إيجابية تتخيل فيها المشكلة بعد حلها/ التصور: التفكير في الجوانب السلبية للوضع الحالي).

يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك
أما المقارنة فتركز على الدمج بين التخيل والتصور، وهي الاستراتيجية الأكثر نجاحًا، إنها أشبه ما يكون بتحليل SWAT، وتجبرك المقارنة على تقرير ما إذا كان الهدف قابلًا للتحقيق أم لا، وهذا ما تبحث عنه عند تبني عادة جديدة. استراتيجية المقارنة تعتمد الاختصار WOOP ويشير إلى (الأمنية، النتيجة، العائق والخطة). الإشكالية في استراتيجية المقارنة أنها صعبة من الناحية العملية، كما لا يحب الناس الانتقال من الأفكار السعيدة إلى الأفكار التعيسة.

حدد الدافع ثم ضع الخطة. تنصحك هايدي جرانت هالفورسون في كتابها “9 أمور يفعلها الناجحون على نحو مختلف”، بالإفادة من القاعدة الشرطة (إذا… فسوف)، بينما يطلق عليها جيرمي دين (إن… إذن)، والسياق (الموقف/ البيئة) المناسبة لتكوين العادة يجب أن توازن بين العام والخاص، أي يكون شاملًا لإتاحة فرص وافرة للممارسة، ومحددًا بما يكفي لتحفيز الإجراء المطلوب. من الطبيعي أن تحتاج الخطة للتعديل والتحسين.

مسألة أخرى تتعلق بالسياق، ألا وهي التوقيت! ما العوامل المؤثرة في استمرار ممارسة العادات الجديدة؟ ثمة عوامل تتحكم في متابعة مجرى العادات الجديدة، من بينها الرضا عن العادة الجديدة، وتتغلب على عدم الرضا بالحصول على دعم الآخرين لك، ومن ذلك مثلًا الانضمام إلى مجموعة لها الاهتمام نفسه. العادة خطوة سلوكية كبيرة، تتكون من خطوات سلوكية صغيرة بشكل تتابعي، فإذا اكتسبت التلقائية انتقلت إلى حيز العادة. تنقسم العادات -كذلك- إلى قوية وضعيفة، ويرتبط ذلك بالسياق، وتتراكم التصرفات اللاشعورية الصغيرة لتحقيق هدف واحد كبير، وهنا تترسخ العادة بدرجة أقوى، وندخل في إطار الحرب بين العادة والنية، وقد نوقش ذلك في الفصل الثاني تفصيليًا.

يلعب استخدام الخطط التنفيذية دورًا آخر لا يقل أهمية عن الرضا، ويتعين عليك مراقبة التقدم في العادة الجديدة، وقياس الأثر المترتب على عادتك الجديدة. من بين العوامل جميعها، احذر فخ المكافآت (أخطر الطرق)؛ لأن التعود عليها يُفقدها تأثيرها! وبمرور الوقت لن تسعفك المكافآت، وستضطر إما لرفع سقف المكافآت، وهذا يستنزفك ماديًا، أو اعتماد طرق أخرى أكثر جدوى.

من بين أبرز تحديات تكوين العادة الجديدة: الضجر والصرامة، وسيزيد معدل نجاحك بمقدار مرونتك، وهذه المرونة تكسبك القدرة على التعاطي مع العوامل الطارئة وتوظيفها لخدمة عادتك الجديدة، وتبعدك مسافة آمنة عن منطقة راحتك، ولكن لا تكن مرنًا في التقهقر إلى عاداتٍ قديمة تباعدت عنها. يكمن جمال العادات في أنها تصبح أكثر سهولة مع تكرارها؛ فالتكرار أساس ركين في تكوين العادات وإتقان المهارات.

ويناقش الفصل العاشر مفهوم “التخلص من العادات”، وهل حقًا يمكن التخلص من العادات غير السوية، والفرق بين التخلص من عادة ما وتغيير هذه العادة، ولماذا لا ننجح في قهر العادات القديمة وإن حاولنا؟! إن كلمة السر في بناء عادات جديدة موجزها (التكرار)، بينما كلة السر في التخلص من عادات قديمة (الوعي التام)، والمراد بالوعي التام أن يكون ذهنك حاضرًا في اللحظة الراهنة، لكنه للأسف لا يصلح للجميع، ويمكنك الانتقال إلى استراتيجية أخرى مثل المراقبة اليقظة، الإلهاء، تغيير الوضع.

يناسب الوعي التام العادات القوية، إذ يعد الاستراتيجية الأكثر فعالية، ثم الإلهاء في المرتبة الثانية، ويعني ذلك أن التخلص من عادةٍ ما يستلزم الحفاظ على انتباهنا؛ لندرك المحفزات والمغريات المرتبطة بالعادة. يواجهنا تحدٍ آخر يتمثل في أن الوعي التام يعمل فقط على المدى القصير، ويخذلنا على المدى الطويل، ومحاولة قمع الفكرة تجعلها أكثر رسوخًا في النفس، ما يؤكد أن القمع يأتي بنتائج عكسية وفق نظرية العمليات المتناقضة. هذه النقطة تحديدًا يعالجها كتاب “امتحان المارشميلو” الشهير، لمؤلفه أستاذ علم النفس بجامعة كولومبيا الدكتور والتر ميشيل، وكذلك يناقشها كتاب “خرافة الكاريزما” للأستاذة بجامعات هارفارد وييل وستانفورد، أوليفيا فوكس كابين.
مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم
هذا يأخذنا لنقطة مهمة، ومفادها أن التخلص من العادة القديمة يجب أن يكون بالإحلال والاستبدال، تمامًا على طريقة التفاعلات الكيميائية بالإحلال والإزاحة، وهذا يشمل تكوين عادات جديدة تحل محل عاداتنا القديمة، وليس بالإقلاع التام عن العادة القديمة، كما أن ذلك يشير لوجود العادة القديمة وإن كانت كامنة تتحيّن الفرصة للظهور. إن العادات القديمة تموت بصعوبة، تكون خاملةً ليس إلا؛ فبناء العادة الجديدة لا يدمر العادة القديمة وإنما يقيّدها، إنها مسألة منافسة بين العادتين والبقاء لمن غلب!

القدرة على ضبط النفس محدودة، البعض بارد برود الثلج لكنه لا يمكن أن يعول على بروده طوال الوقت؛ فقد يخذله ذلك في لحظة ما، ويمكن لمن يعاني من تراجع ضبط ذاته أن يمارس بعض الجهود المفيدة. التخلص من العادات القديمة يتأثر بوضع الخطط وتنفيذها بمرونة، مع قدر كبير من ضبط النفس وتغيير السياق، وهذا ضروري في إطار اكتساب العادات الجديدة، ربما تضطر لتغيير بعض الأصدقاء إن كانوا مدمنين وأردت أن تتعافى، قد تتخلى عن الشلة إن كانت جلساتكم تجبرك على تناول كميات كبيرة من الطعام، أو تغيِّر مكان اللقاء.

يأتي الفصل الحادي عشر تحت عنوان “العادات الصحية”، وفيه ندرك أن التغلب على العادات السيئة يعني تعزيز الدافع ودعم ضبط النفس، وأن طريقة المقارنة تعزز من قوة الدافع وتساعد على ضبط النفس، وأن الهدف الحقيقي للتغيير الشخصي هو إبعاد تفكيرنا عن العلاجات السحرية والإصلاحات السريعة، واعتماد استراتيجيات طويلة المدى. إن تغيير العادات ليس سباقًا للجري السريع، إنه ماراثون! ماراثون يتطلب عوامل دقيقة للتعامل وضبط السرعات والإفادة من الفرص المتاحة لتحقيق المراد، مع التزام سياسة النفس الطويل.

بينما الفصل الثاني عشر “العادات الإبداعية”، يعالج قضية الإبداع من طرق شتى، ويتسم الإبداع بكثير من الغموض، والعادة تكبح الإبداع، ومن هنا يأتي التحدي القاسي. يقدم المؤلف نصيحة للمبتدئين في المجالات الإبداعية: “تعمَّق في تحصيل المعرفة، واستمر في شحذ المهارات والعادات المطلوبة”.

يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك. ولعلك تسأل: كيف أتخلص من طرق التفكير الاعتيادية؟ يمكن تعزيز الإبداع من خلال وضع بعض القيود؛ فالحاجة أم الاختراع، والحاجة تفتق الحيلة.

اطرح سؤال ماذا لو؟ فرِّق بين العقلية التراكمية والعقلية الاختزالية؛ فالعقلية التراكمية تضيف للموقف شيئًا ما (تفكيرها شمولي)، في حين أن العقلية الاختزالية: تطرح شيئًا عن الموقف (تفكيرها تحليلي). يساعدك الاستعداد كثيرًا؛ فخذ وقتك في التحضير والإعداد.

ثمة علاقة قوية بين الإبداع والقدرة على توليد الأضداد (التفكير اليانوسي/ التفكير التناظري)؛ فاستثمرها على طريقة المبتكرين. يمر المبتكرون بأربع مراحل (دافع قوي للابتكار، الابتعاد عن مسارات التفكير المطروقة؛ فيطرح طريقتين -أو أكثر- متعارضتين، ثم يدمج بين الأفكار المتناقضة، ومن خلال ذلك يبني فكرته الجديدة).

تعلَّم الفرق بين التفكير المجرد والتفكير التحليلي، واجمع بين العقل الشارد والعقل المسيطر؛ فإن مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم.

في الفصل الثالث عشر والأخير “العادات السعيدة”، نتعرف إلى معوقات السعادة التي تتمثل في التعوُّد على النعم، والحفاظ على السعادة يستلزم ممارسة الامتنان، والثقة أن التنوع نكهة الحياة، مع ضرورة الاستمتاع باللحظة الراهنة قدر المستطاع. يزوِّدك المؤلف بموقعه الإلكتروني في حال أردت مناقشته أو الاطلاع على الدراسات الجديدة المتعلقة بموضوع كتابه، وهو من الكتب الجديرة بالقراءة والإفادة منها، ولا سيَّما أن أسلوبه مبسَّط وبعيد من التعقيد، وإن كان يعالج مسائل تتعلق بعلم النفس بالدرجة الأولى.

Author


محمد الشبراوي

محمد الشبراوي

كاتب مقال ومدون