مقال

قراءة وقهوة… وشوربة عدس!

يربط كثيرون بين القراءة والقهوة، ربما لاتفاقهما في حرف القاف بعد (ال) التعريف، وانتهائهما بالتاء المربوطة ربطًا محكمًا! وفي عصر الصورة وثورة تكنولوجيا المعلومات، يخرج شابٌ يحمل أسفارًا، وينتقي كوفي شوب آخر شياكة؛ ليتفنن في أخذ صورة سيلفي وهو يحتسي – لا يشرب – قهوته اللذيذة، وينشر – في التو واللحظة – الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبة بتعليق منمّق: (يومي بين القراءة والقهوة.. لا حياة بلا قراءة، ولا قراءة بلا قهوة)!

في مشهدٍ ليس ببعيد، تلمح فتاة لا يغمض لها جفن، ولا يقرّ لها قرار إلا إذا أخذت لنفسها – أو أُخِذَتْ لها – صورة مع فنجان أو كوب القهوة المنعش، وبجواره يرقد كتاب مسكين، وبرومانسية حالمة تكتب: (ومن متع الدنيا على المرء أن يُرى وحيدًا إلا من قهوةٍ وكتاب)، ثم تداعب شفتها القهوة، وتهجر الكتاب إلى الموبايل والميك آب، المهم أن يرقد الكتاب في حضرة القهوة، أما غير كده… شكليات!

لو نطق الكتاب – بين أيدي هؤلاء وهؤلاء – لصرخ باكيًا مسترحمًا: لماذا ربطتم بيني وبين القهوة؟ أكلّ هذا لأني أحضر في الصور ليس إلا؟! أم ربطتم مستقبلي بالقهوة كمن ربطوا (خيار وفقوس)، ومن جمعوا بين (زفتى وميت غمر)، ومن ألفوا بين (الطيِّبة وأم رماد) وبين (دويدة وبني عباد)، و(بني اشبل وتل حوين)، و(شيبة والنكارية) إلى آخر تلك الثنائيات! ويكفكف الكتاب دمعه مستطردًا: أنا لا أوافق على هذه الصحبة، ولا أقول ذلك كراهية في القهوة؛ فهي أخت الوقت، ولا تشرب على عجل، لا مانع لديَّ، لكنما ذلك لا يشترط أن تُشرب في ضيافة كتاب؛ ليؤدي الكتاب فيه دور الكومبارس.

دخل الحضرمي سوق الوراقين، وقصد مَن في حوزته الكتاب مِن الباعة، وقال: أشتريه بدينارين؛ فصاح الدلال: أبو القاسم الحضرمي عرض دينارين؛ فمن لديه أكثر؟

وأجال الكتاب طرفه بين شباب في مقهى أدبي، ثم قال في نفسه: كثيرون من يُقحمونني في جلساتهم، وليتهم يقحموني بينهم للنقاش وإثراء الحوار، أو للمعرفة وتوسيع شرايين الخيال، لكنهم يحرصون على وجودي ليتصوروا وينشروا صورهم، ولينضموا إلى طابور مثقفين بلا ثقافة أو متثاقفين متفيهقين، ثقافتهم أفرغ من بطن الطبل. يقحمونني بينهم بصورة أكثر بشاعة من إقحامهم (هكذا) في أحاديثهم؛ فيقول أحدهم: هكذا أمور، وهكذا مناقشات، وهكذا اختراعات في اللغة إلى آخر تلك الـ “هكذا” التي لا تُسمن ولا تغني! حبذا لو فتحوا صفحاتي وقلَّبوا فيها، وما أجمل أن يتناقلوا أفكاري ولا يتثاقلوها، وأن يهتموا بالثقافة الحقيقية وألا يرضوا بالقشور؛ فما قيمة أن يحملني أحدهم ويتعب نفسه نهارًا، ثم يعود لبيته ليلًا وهو أفرغُ من قصب، دون أن يزداد من كنوزي المجانية التي بين يديه وتحت عينيه.

ثم انتفض انتفاضة عصفورٍ نال منه المطر كل منال قائلًا: أيدري هؤلاء أنني كريم؟! وأنني لا أؤمن بالمظاهر ولا تستهويني التُرهات؛ فلو قلَّب أحدهم صفحاتي وهو يشرب شوربة عدس أو لسان عصفور، لن أحجب عنه ما عندي، ولن أدير له ظهري وأتهمه بالرجعية، ولن أنظِّم وقفة احتجاجية مطالبًا باحتساء القهوة مع القراءة، لن يضيرني إن شربها على عجل، وليذهب محمود درويش حيث شاء؛ فهل يعلمون ذلك؟ ليتهم يعلمون.

وبعد صمتٍ طويل، قلت له: هوِّن عليك يا صديقي! الدنيا بخير، وليس كل من يقرأ… يشرب قهوة؛ فإننا اليوم في زمن نأكل فيه بطلوع الروح من غلاء الأسعار، وإن شاء الله قريبًا تصبح القهوة من المحرَّمات، نحرِّمها على أنفسنا لنوفر الفواتير “اللي على ودنه”، وقطع كلامي مستأنفًا فكرته: اسمع! شيئان في صدري؛ أحدهما عن القهوة والآخر عن الشباب، وأرجو أن توصلهم هذه الخاطرة علَّهم يفيقوا من سكرتهم، ويضعوا الأمور في نصابها قبل أن أموت بذبحة صدرية أو سكتة دماغية.

قلت: هات، لا تثريب عليك، وقاك الله المهالك، أنا أسمعك بكل جوارحي! ذرفت عيناه دمعًا ثخينًا واعتصره الألم وهو يواصل: قُبض أحمد شوقي – أمير الشعراء بالمناسبة إن نسيت ونسي أتباع القهوة – بعدما أخبر سكرتيره الخاص أحمد عبد الوهاب أبو العز أمرًا – ولا تسألني ما هو لأني سأقول دون أن تقاطعني – إذ أراد أن يكتب لملك اليمن خطاب شكر لإرساله أربعين زنبيلًا من البن (الزنبيل قُفَةٌ كبيرةٌ أو وعاء)، وفي الثانية صباحًا مات شوقي، لم يشكر ملك اليمن ولم يشرب القهوة؛ فلا يتوهمن أحدهم أن القهوة تحقنه بالثقافة والعلم.

الأمر الآخر في نفسي هو المظاهر المصاحبة لي، أشهد الله وأشهدك أني أمقتها، لكنني أسمع وأطيع، لا أملك حق التمرد، وقد ترى من يتعالم بغير علم، وقد أدمى قلبي ما وقع لأبي القاسم الحضرمي، وأراه يتكرر الآن بنصه وفصه! قلت: من أبو القاسم الحضرمي؟ وما خبره؟ فأجابني وهو يعضّ على شفته اللمياء أسفًا: إنه عالم من علماء القرن الخامس الهجري، وقد كلَّف الوراقين (أصحاب المكتبات، مثل سور الأزبكية أو الفجالة في مصر، وشارع المتنبي في العراق، أو معارض الكتاب في دول العالم) أن يخبروه إن وقع تحت أيديهم كتابٌ يطلبه منذ زمن. في بعض الأيام، جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى، وهنأه بالعثور على طِلبته، وسأله – على طريقة القابلات قديمًا وبعض الممرضات اليوم – أن يُتحفه بالبُشرى من دراهم معدودات؛ فسُرَّ الحضرمي وأكرمه ثم خرج ليظفر ببغيته.
أرجوك أن تخبر شباب الفيسبوك وتويتر وفتيات سناب شاب وإنستغرام وتيك-توك والفاشونستات أن ربط الثقافة بالقهوة أمر غير مفهوم ولا مُبرَّر، ولا يختلف عن ربط الأرنب بالحشرات
دخل الحضرمي سوق الوراقين، وقصد مَن في حوزته الكتاب مِن الباعة، وقال: أشتريه بدينارين؛ فصاح الدلال: أبو القاسم الحضرمي عرض دينارين؛ فمن لديه أكثر؟ قال بعضهم دون كبير اهتمام: ثلاثة! وقال آخرون: أربعة! وأبو القاسم أشبه بأحمد شوقي سريع الملل؛ فقال: عليَّ بعشرة! رفع السقف و”أفوّر بزيادة” ليتخلص من الموقف “في الكويكلي”. لكن شابًا ظهر من لا مكان، ونظر إلى المجلد وقلَّبه في يده، ثم قال: عليَّ بعشرين؛ فغضب أبو القاسم ووصلت المزايدة بينهما إلى خمسين دينارًا!

تضاءل أبو القاسم وخشع أمام جبروت المال؛ فمن أين له بخمسين دينارًا، وهو عالم يطلب العلم ولا يجمع المال، وبصوت متخاشع مستكين، خاطب الشاب: إنك قد بالغت مبالغةً مسرفة حين عرضت الخمسين، وما كان هذا المجلد ليزيد عن خمسة على الأكثر؛ فما سبب رغبتك فيه؟! (حينها قرصني الكتاب في جنبي وغمزني، ثم لكزني متحسرًا يؤنبني: واسمع يا صديقي لتعلم حجم الكارثة)، وأجاب الشاب سؤال الحضرمي: لستُ ممن يقرؤون الكتب، ولكني هيَّأتُ خِزانةً علميةً أدبيةً للمباهاة (هذا جذر البلاء وأساس المصائب؛ المباهاة والاستعراض الأجوف والـ Show)، وقد صرفت عليها كثيرًا مما أملك، وأعيانُ البلدة يؤمُّونها، ويطالعون ما بها؛ فأشعر بالفخر والإعجاب، وقد تأمَّلتُ الكتابَ؛ فوجدتُه حسنَ الورقِ والخطِّ والتجليد، فعاهدتُ نفسي ألا يخرج من قبضتي، وألا يفلتَ من خِزانتي، والحمد لله على ما أنعم؛ فإن الرزق كثير.

أتدري ما صنع الحضرمي يا صديقي؟ قلت: لا والله! وشكرًا لوصفك إياي بصديقك؛ فأشاح عني بوجهه وهو يضيف: سقطت روح الحضرمي بين قدميه بعدما أُسقِط في يديه، وتمتم بكلامٍ لا يُكتب وتحاسب عليه الرقابة، ثم أبان وأعرب وقال للشاب في يأس وضيق: نعم! الرزق عندك كثير، و”يعطي اللهُ الجوزَ لمن لا أسنانَ له”.

هذا حال كثيرين من شباب اليوم، ولا أقول الجميع فلولا القليل ما كان لي قيمة، ولولا القليل ما سمعتني الآن، ولولا القليل ما قرأ الناس لك ولغيرك، وقبل أن تستدرك عليَّ قولَ الحضرمي (ويعطي اللهُ الجوزَ لمن لا أسنانَ له)؛ فإني أقول: قالها الحضرمي لحظة غضب، والغضبُ مسٌّ من الجنون، وقد يخرج المرء عن طوره، ولم يقصد الحضرمي – بالطبع – القدحَ في حكمة الله، ولعلَّها خرجت منه مخرج الغالب، واذكر قول الرجل بحسن نية وسهو “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”، وكيف فسَّرها النبي الكريم بقوله المبين “أخطأ من شدة الفرح”؛ فالحضرمي أخطأ من فرط الفاجعة. أرأيت – يا صديقي – حال الناس معي؟ وكيف يعاملونني؟ والله لو شرب أحدهم القهوة أو شوربة عدس أو (مِشْ بدوده)؛ فلن أتوارى عنه وأمنعه الاستفادة.

واغرورقت عيناه بالدمع وهو يكمل: مللتُ يا رجل، قهوة وكتاب! أخشى أن أموت وفي نفسي شيء من القهوة، مثلما مات أبو زكريا الفرّاء وفي نفسه شيء من حتَّى، وإخالني سأصاب قريبًا “بفوبيا القهوة”؛ فقد بدأت أستشعر الحرج إذا جلست إلى جوارها، إذ يتلذذ بها أصحابها ويكتفون بالنظر إلى غلافي، وقلما يجبر أحدهم خاطري ويطالع ولو فهرس محتوياتي! يظن كثيرون منهم أن الغلاف يُبِينُ عمَّا في باطني، ويلوك أحدهم لسانه ويرفع عقيرته بجملة رخيصة مستهلكة رثَّة “الكتاب بيبان من عنوانه”، ولو كان ذلك كذلك لما غيَّرت الكُتُب مسار التاريخ.

أرجوك أن تخبر شباب الفيسبوك وتويتر وفتيات سناب شاب وإنستغرام وتيك-توك والفاشونستات أن ربط الثقافة بالقهوة أمر غير مفهوم ولا مُبرَّر، ولا يختلف عن ربط الأرنب بالحشرات، وأبلغهم عني حتى ينقطع النفس: (القراءة للثقافة تختلف كمًّا ونوعًا عن القراءة للاستعراض على مواقع التواصل، ولا تضعوني والقهوة في سلة واحدة، ومن ذاق حلاوة القراءة هانت عليه كل تبِعة، حتَّى وإن كانت في شرب الشاي الأخضر أو البابونج/ الكاموميل واليانسون والكراوية بدلًا من القهوة).

Author


محمد الشبراوي

محمد الشبراوي

كاتب مقال ومدون