مقال

وحل القلم

في الحي الثقافي “كتارا” بقطر، وقبل أيام قلائل، شاركت في ورشة لكتابة الرواية، قدمها الدكتور أمير تاج السر، وهو علم من أعلام الرواية العربية الحديثة، وفي مناقشات بين التلاميذ والأستاذ سمعت عجبًا عجابًا؛ فبعضهم رصَّ جملًا إلى جوار بعضها، وابتعد كثيرًا عن جو الرواية من الأساس، وهذا لا بأس به فالبدايات دائمًا ما تحمل من الخطل والخطأ الشيء الكثير، أما ما يستوجب الوقوف عليه فغير ذلك!
نوقش الشاب في ضحالة اللغة والعك النحوي والصرفي؛ فما كان منه إلا أن رفع عقيرته قائلًا “فيه حاجة اسمها محرر”، ما يعني أن المحرر سيعيد الصياغة من ألفها إلى يائها، وأن دور الأخ سينصب على المجيء “بالديب من ديله”، وهذا في حد ذاته أهم من اللغة المفترض أن تكون جزءًا من سليقة الكاتب.

وفجأة تمثَّل بين عيني أكثم بن صيفي وهو يعظ أبناءه بقوله “المكثار كحاطب ليل”، وقد كان! إذ توسعت المناقشة مع الأخ إياه، وكشف عن طامة جديدة، قال: أنا لا أقرأ، أنا لا أحب القراءة! دارت الرؤوس تستكشف هول ما يقال، وتبودلت نظرات استياء بينهم، كيف يتعرض أحدهم للكتابة دون أن يقرأ؟ ألم يسمع هذا بما قاله أستاذنا إبراهيم عبد القادر المازني: “إن رأسي كعربة الرش، تحتاج إلى الامتلاء بالقراءة، قبل أن أفرِّغها بقلمي على الورق”.

وجاهدت لأبقى على قيد المتابعة، ونهيت ذاكرتي عن السباحة بي في عوالم أخرى، ولم يكن غريبًا أن يقول بسلامته إنه لم يقرأ رواية واحدة، وإن الكتابة لا علاقة لها بالقراءة، وأضاف بين السطور أنه يقرض الشعر، ولا أعرف أي شعرٍ يُقرَض من غير لغة! وسمعت الدكتور تاج السر يستنكر عليه قوله، ويقول إنه – مع كل ما نشره من أعمال – يواظب على القراءة ساعتين يوميًا!

ولن أتوسع في ذكر ما قيل، وتكفينا اللمحة الدالة على طريقة البلاغيين، ولا يصح أن يقول المرء إني سأكتفي بالمشاهدات الحياتية لأنقلها للناس في أعمالي، إذ عليه أولًا أن يتعرف إلى القواعد والقوالب، ثم له أن يخرج على الناس بطريقته الخاصة، بشرط أن يهضم القواعد ويفهمها، أما القائلون إننا نكتب “الكتابة التجريبية”؛ فهذا إن لم تسبقه ممارسة طويلة في دنيا الكتابة، لن يزيد كلامهم عن مجرد “قُصر ديل”.

لم يكتب نجيب محفوظ كتابةً تجريبية إلا بعد عام 1988، أي بعدما فاز بجائزة “نوبل”، وكان يتعاطى الكتابة منذ سنة 1928، ولم يفكر قبل “نوبل” أنه شيخ طريقة وصاحب مدرسة خاصة، ولا حتى أستاذ أو مدرس أول في دنيا الكتَّاب. الاجتراء على امتشاق القلم والتلاعب ببكارة الورقة البيضاء أمر يستخف به كثيرون، لا يعلمون أنّ ثمار ما يوضع في بطون الورق قد تأتي ممسوخة أو مشوهة الشكل، وعندها لن تفلح كل محاولات طبيب تجميل الكتابة “المحرر والمدقق اللغوي” في تحويلها إلى تحفة تروق الناظرين.

وبعد ممانعة طالت قليلًا، أسلمت العِنان لذاكرتي ورحت معها في جولتها الخاصة، كانت أول ما ابتدرتني به أن قالت: ما هذه السماجة؟ وكيف يتطاول الناس على مقام اللغة؟ وكيف لهم أن يزهدوا في القراءة ويحاولوا ما استطاعوا أن يلتصقوا بالكتَّاب؟ لم أحر جوابًا وأطرقت مليًّا علها تهدأ، لكن هيهات! قالت: إن هذا ليس وحي قلمٍ يدفعهم لتسطير خبراتهم، بل هو وحلُ قلمٍ سينزل على رؤوسهم وسيطمس أسماءهم.

وارتفعت حرارة حديثها – ولا أدري كيف أسكتها في ثورتها – وأمسكت بوريقات صُفر يفوح منها العفن، وألقت بها في النار قائلة: لو كان فيها خير ما تُركت ولا نُبذت، هذه أفكارٌ عقيمة، ظن أصحابها أنهم سيأتون بأبكار المعاني وألطاف المباني، لكن “نقبُهُم طلع على شونة” حين أمسكوا بالقلم، ولم يكن لهم صوت يُسمع حتى في حياتهم، كان صراخهم هسيسًا لا قدر له ولا قيمة.

ولما سكت عنها الغضب قالت: ذكرت في مطاوي حديثك أنه شاعر؛ أليس كذلك؟ قلت: بلى، هو ذاك، وفق ما سمعت! فأجابتني بصوتٍ كسير: ويلي على الشعراء! بالأمس كانوا منارة يرفعون خاملين ويخفضون خلفاء وأمراء ومرموقين، فصاروا اليوم لا يقرؤون، بل ويتبجحون بجهلهم وقلة بضاعتهم من القراءة. بالمناسبة – قالتها استدراكًا ولم أنطق طلبًا للسلامة – لا يعنيني هذا الذي ذكرت، ولا أعمِّم في حديثي عن الشعراء، بل إنهم قلة بين الشعراء الأفذاذ، ومؤكدٌ أن بضاعتهم في الشعر مزجاة، لكنهم نكأوا الجراح.

واستطردت: ذكرني كلامك بشاعرٍ آخر، إنه محمود حسن إسماعيل، وفي حديثه مع سامي داود، قال: “أنا لا أعترف بأيِّ شاعر ترتبط جذوره بثقافة الكتب، ولا بدَّ أن ينبع الشعر من التجارب النفسية المستقلة، ومن انصهارات الشاعر في العالم الواقعي الذي نعيش فيه”. غريبٌ أن ينادي الشاعر بالاعتماد على الوحي والإلهام وحده، وأن ينسلخ من الثقافة وصقل الموهبة؛ فإن هذا الانفصام يقتل الإبداع ولا يسعف المبدع على المدى الطويل، ولا بدَّ للشاعر والكاتب والأديب والروائي من الإلمام بما يجري واستيعابه؛ لتقديم طرح أدبي قوي وفلسفة تبقى، لا سيما أن الرواية – على سبيل الذكر – انتقلت من الحكي والحدوتة إلى عالم واسع من المعرفة.

في هذا التوقيت تحديدًا، كان عليَّ أن أتدخل وأدلي بدلوي – وإن قلت بضاعتي – فقطعت صمت إرسالي بقولي: صدقتِ ذاكرتي العزيزة، وفي هذا الإطار يرى أستاذنا رجاء النقاش في كتابه “أدباء ومواقف” أن سر إفلاس الشعراء العرب ضحالة الثقافة، واعتماد الشعراء العرب على مواهبهم وذكائهم الفطري، وهذا وحده لا يؤهل الشاعر لأن يعيش في عالم الأدب أطول من حياته.

وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار

وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار. لم يكتفِ النقاش بذلك، بل أورد عددًا من الأمثلة المُخجلة لمضمون فكرته.

ولما رأيت منها راحة لما تسمع، شجعني ذلك على الاستطراد – وهو أنا يعني مليش نفس؟ – فقلت: من هاتيك الأمثلة أن الشاعر علي الجندي كتب قصيدة “السائقات الفاتنات”، والقصيدة على سطحيتها إلا أنها ربما تعبر عن حال النساء في دولٍ سُمح لهن فيها بقيادة السيارات أخيرًا. وعن أجواء تلك القصيدة، قال الجندي: “كنت أسير في بعض ميادين القاهرة في صباحٍ مبكر؛ فكادت تصدمني سيارة تقودها فتاة ممن تسميهم الصحف السائقات الفاتنات، وقد سلمت من الموت ولكني لم أسلم من الفزع؛ فقد سقطت على الأرض وأنا مؤمن أني أصبت إصابة بليغة، وكانت مجاملة رقيقة من السائقة الفاتنة أن تطل من سيارتها فتطمئن علي، وقد غفرت لها ذنبها تكرمة لها، وبخاصة أنني عرفت أنها تنظم الشعر”.

هزَّ الموقف الشاعر فكتب قصيدة من ستين بيتًا بلا روح ولا عاطفة! وأنشد القصيدة الرديئة في مهرجان الإسكندرية للشعر! أما الشاعر الدكتور عبد العزيز برهام فقد نظم قصيدة من ستين بيتًا أيضًا، لكن موضوعها عن الحذاء الصغير! فكيف يقول الشعراء شيئًا ذا قيمة إن كانت هذه موضوعاتهم التي يدورون في فلكها. ومن قبل، كتب العقاد قصيدة المكوجي! وأخرى يرثي فيها كلبه “بيجو”، وأخرى لطفلٍ تعود شرب البيرة فقال: “البيلة البيلة، ما أحلى سلب البيلة!”.

وكتب شوقي قصيدة “بين مكسويني والأتوموبيل”، ومن قبلهم كتب البهاء زهير قصيدة البغلة! وللأمانة فبعض القصائد للدعابة ولا تخرج عن ذلك؛ فلا بأس بها، أما أن يكون الشعر كله عن مثل هذا فلا فائدة ترجى منه. زفرت ذاكرتي طويلًا، ثم تناولت كأسين من الأكسجين المنعش، وصمتت قليلًا – ولا أدري مبعث صمتها، ربما عاجلها الزهايمر – ثم قالت: نحن في أي سنة؟!

خيَّمت على وجهي دهشة، أحقًا هو الزهايمر؟ لكني أجبتها لأسايرها في ما ذهبت إليه: نحن في سنة 2020؛ فأنقدتني من حيرتي وهي تقول: ليتنا كنا سنة 1939 أو قبلها! أدركت أنها ترمي إلى شيءٍ بعينه، وإلا فإن عاقلًا لا يرتضي لنفسه أن يعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية، ويظل منقطعًا عن دنيا الإنترنت ومنشورات “فيسبوك” وتغريدات “تويتر” وعوالم – وأعتمد على حسن ظن القارئ في معنى العوالم – أخرى.

ولم تنتظر استفهامي عن تفجعها الحالي، ولماذا تريدنا أن نعيش في رحاب سنة 39؛ فسارعت تقول: في العدد 304 من مجلة “الرسالة” بتاريخ الأول من مايو/ أيار 1939، نشر توفيق الحكيم رسالة وردته من بعض القراء، وإني لأرجو أن يقرأ شباب سنة 2020 هذه الرسالة قبل أن يبادوا لامتشاق القلم؛ فأجبتها: لا أضمن لكِ ذلك، لا سيَّما وأن القراء – كالكرام – قليل، ويمكنكِ إن شئتِ أن تطلعينا على نص الرسالة، وبعدها “يفتح الله باب”.

قالت إنّ نص الرسالة على هذا النحو: “قرأت لك في مقال أنك تساعد ناشئة الأدب، واشترطت لذلك شروطًا، وإني راضٍ بها، وإليك ما يزيدك معرفةً بي؛ إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود، وذلك ناتج عن فقري. لا أقرأ غير الرسالة والرواية والثقافة، ولم أقرأ من الكتب غير بعض مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي وكتباً أخرى، وكانت كتابتي جيدة في الموضوعات الخيالية فقط، ولكني منذ بدأت أتأثر بكم؛ تغلَّبت طريقتكم عليَّ، وأنا قوي الذاكرة وأميل إلى التفكير، وأستطيع أن أنفق في شراء الكتب الأدبية ما يقرب من نصف الجنيه شهريًا، كما أني أستطيع أن أختلس للأدب خمس ساعاتٍ يوميًا”.

ويضيف صاحب الرسالة للحكيم: “لعل في هذه الإيضاحات ما يهوِّن عليكم أمر مساعدتي على السير في طريق الأدب الذي تصفونه بأنه وعرٌ وشائك، ولقد زاد إغرائي به ما نشرتموه في الرسالة من تحذيرٍ للشبان من الاشتغال به في هذا العصر”. وقبل أن تقرأ تعليق الحكيم على رسالة هذا الشاب، أريدك فقط أن تعيد قراءة جملته (إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود)، يعني الشاب يعمل “كمساري”، وأجره زهيد، وقراءاتُهُ محدودة، ثم طالع الكلمات التي تليها (وذلك ناتج عن فقري)!

لم يقل: وذلك ناتج عن أنني لست من هواة القراءة، ولا لأنه يملك من الخبرات ما امتلكه المسعودي في كتابته “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، وأزرى من خلالها ببعض ما كتب الجاحظ وانتقده؛ لأنه أي المسعودي ارتكز على مشاهداته، بينما اعتمد الجاحظ على مطالعاته، والأمر ذاته عند ابن خلدون في مآخذه على بعض ما أورده المسعودي. المهم أن الشاب تعلل بقلة مطالعاته لضيق ذات يده، وليس تنزهًا عن القراءة ولا ترفعًا عن مسالكها.

وعلَّق الحكيم على هذه الرسالة قائلًا: “نشرت هذه الرسالة التي جاءتني ضمن عشرات الرسائل في هذا الموضوع لسببٍ واحد؛ هو عجبي وإعجابي بقارئ تلك حاله، يبذل عن طيب خاطر سدس مرتبه الشهري وقسطًا وافرًا من وقته في سبيل الأدب. إنه ذكرني بقراء أوروبا، أولئك الذين يخصصون جزءًا ثابتًا من ميزانياتهم للكتب، ووقتًا منتظمًا معلومًا للقراءة، مثل هؤلاء القراء هم الذين قامت على أكتافهم نهضات أوروبا الأدبية، وهم الذين ظهر من بينهم أدباء أوروبا العظام؛ فإن الأديب لا يتخرَّج في مدرسة، إنما ينبت في حقل الكتب والمطالعات الشخصية”.
ويواصل الحكيم تعليقه: “وفي الأدب الفرنسي الحديث، مثلٌ صارخ لأديب من أصل بلقاني هو پاناييت استراتي، لم يكن يعرف الفرنسية، ولكنه غرق سنوات من المطالعة، وضنَّ بماله القليل على الطعام، وأنفقه في شراء كتب جعل يلتهم صفحاتها التهامًا، وإذا هو في يومٍ من الأيام قد استطاع الكتابة بالفرنسية، وإذا هو كاتب معروف يربح من كتبه الألوف. أعطوني إذن ألفين من طراز هذا القارئ، وأنا أضمن لمصر نهضة أدبية رائعة، وأدباء جددًا يسيرون في طريق المجد”.

هل يجب علينا أن نرفع من شأن كاتبٍ لا يقرأ؟ أليس في ذلك ما يزيده تبحرًا في وحله؟ ألا ينجم عن ذلك – وينجر عنه – أن يزيد واقعنا وحلًا وسطحيةً وضآلة وتقزُّمًا ووكسة وخيبة وقلة قيمة؟ تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي – بين الحين والآخر – مقولة مفادها “لا تجعلوا من الحمقى مشاهيرْ”؛ فمتى نفيق من سطوة وحل القلم؟ ومتى نعود إلى رحاب وحي القلم؟

يرى بنيامين فرانكلين أن “استثمارك في المعرفة وتطوير ذاتك يمنحك العائد الأكبر”، ويقول تشارلي منغر الملياردير العصامي وشريك وارين بافت “كل الحكماء الذين قابلتهم في حياتي كانوا يقرؤون معظم أوقاتهم”. يأخذ باراك أوباما ساعة كاملة يوميًا في مكتبه للقراءة، ويقرأ بيل غيتس كتابًا كاملًا في أسبوع مع إجازة سنوية لمدة أسبوعين للقراءة فقط. أما ألفين توفلر فيؤكد أن “الأمية في القرن الحادي والعشرين لا تعني التوقف عن تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ولكنها تعني التوقف عن القراءة والتعلم والبحث باستمرار، وكذلك عدم طرح الأفكار وتطوير المعرفة”.

هل نصدق ابن المقفع والجاحظ وابن عبد ربه وبنجامين فرانكلين وشارلي منغر؟ أم نصدق محمود حسن إسماعيل ومدعي الثقافة؟ الأمر لك والقرار لك، والرجاء ألا تُسلم عِنان فكرك وألا تقتل وقتك في غير القراءة والتعلم والإفادة من وقتك، واحذر – ما استطعت إلى ذلك سبيلًا – من وحل القلم.

Author


محمد الشبراوي

محمد الشبراوي

كاتب مقال ومدون