Your address will show here +12 34 56 78
مقال
الوثوق بما يقال لنا من قبل شخص غريب قد يكون في حد ذاته نوعاً من السذاجة. لكن مرافقته إلى وجهة مجهولة أثناء زيارتنا إلى بلد بالكاد نعرف عنه شيئاً، أشبه بمغامرة أو بتعبير أكثر صراحة ضرب من الغباء.

حين أستعيد ذكرى لحادثة حصلت معي يوماً، أفاجأ أنا ذاتي من ردة فعلي غير المحسوبة، وأتساءل كيف “صارت معي”؟..

توجّهت يومها إلى شاطئ البحر برفقة زوجي. كان اليوم الأخير لنا من رحلتنا على جزيرة كوسموي التايلاندية، فأردنا استغلاله على أفضل وجه. بيد أن خططنا تبدّلت، حين استوقفنا رجل على درّاجته النارية وراح يتحدّث إلينا بعفوية استلطفناها. كان يتمتع بروح مرحة أو ربما بخبرة عملية تسهّل تواصله مع أشخاص غرباء. تعارفنا وفي غضون دقائق استطاع إقناعنا بمرافقته إلى منتجع سياحي جديد.
ثلاث ساعات مرّت، حاولنا خلالها الرحيل أو بالأصح الهروب، بيد أنّنا فشلنا أمام إصراره. قدّم لنا عروضاً مختلفة، وطلب مبالغ تقارب المائة ألف جنيه إسترليني، مقابل عضوية تستمر لعشرين عاماً

قال لنا: “هناك حفل سيقام بمناسبة افتتاح المكان”، وإننا سنستمتع بالموسيقى وشاطئ البحر والمشروبات المجانية، مقابل ذلك علينا فقط التحدّث لمدة ساعة مع أحد الموظفين ليطلعنا على ما يقدّمه المنتجع من عروض. وقدّم لنا بطاقتي حظ. تضمنّت بطاقتي ثلاث جوائز تنوّعت بين جوال آيفون أو مبلغ مالي أو رحلة إلى أحد منتجعات الشركة المنتشرة في دول العالم والإقامة فيها لمدة أسبوع كامل مجّاناً.

ذُهل الرّجل حين أطلعته على ما تخبئه جائزتي. وقال بحماس: “أنت محظوظة للغاية. إنّها أكبر الجوائز التي يقدّمها المنتجع. لكن عليكما الآن مرافقتي لاستلام الجائزة”.

بدا الأمر مغرياً. أمّن لنا سيارة تاكسي، بعد أن ركن دراجته على جانب الطريق. وانطلقنا جميعاً من دون أي تفكير في ما يمكن أن نواجهه. مع العلم أنّنا لسنا مراهقين لم يخطر على بالي وبال زوجي المخاطر العديدة المتوقعة في مثل هذه الحالات: “سرقة، اختطاف، قتل، اغتصاب …”.

انقضت ساعة والسيارة تقطع بنا طرقات وعرة وغريبة لم نمر بها من قبل، إلى أن وصلنا إلى الوجهة المقصودة وقد بدت شبه منعزلة، تقبع على مرتفع جبلي يطلّ على البحر. في المكان عدد قليل من الناس يجلسون بالقرب من بركة سباحة. ولم نر أي دلالات تشير إلى حفل قد ينظّم لاحقاً. هي اللحظة التي أثارت شكوكنا.

لكن بما أنّنا أتينا إلى المنتجع بسيارتهم وتعهّدوا بتوفير سيارة العودة، تردّدنا في اتخاذ القرار بالرحيل أو ربّما تملّكتنا تلك الرغبة في اكتشاف المزيد. دخلنا مبنى، وقابلنا موظفاً رافقنا إلى طاولة مستديرة. كان شاباً لبقاً في العشرينيات من العمر، أسهب معنا في الحديث عن اهتماماتنا ووظائفنا. طبعاً أراد أن يعرف قدرتنا المادية على المشاركة في المنتجع ولم يكن مجرّد حديث لتمضية الوقت.

سألنا عن عدد البلدان التي نزورها كل عام والمبالغ التي نصرفها على إجازاتنا. وكان يحسب المبالغ التي قد ندفعها على مدى 20 عاما، ويقدّم لنا عرضاً أقل تكلفة في حال مشاركتنا بعضوية المنتجع.

ثلاث ساعات مرّت، حاولنا خلالها الرحيل أو بالأصح الهروب، بيد أنّنا فشلنا أمام إصراره. قدّم لنا عروضاً مختلفة، وطلب مبالغ تقارب المائة ألف جنيه إسترليني، مقابل عضوية تستمر لعشرين عاماً.

كنّا قد تجاوزنا مرحلة الملل بعد مرور خمس ساعات، ولم نعد نأبه بالحصول على الجائزة أو الاستمتاع بالحفل المزعوم، أردنا المغادرة فقط. أدركنا أخيراً أنّ الأمر هو مجرّد “مشاركة وقت”، المعروف بالإنكليزية باسم (Time-share)، فضلاً عن استماتة الموظف لإقناعنا بالصفقة بأي وسيلة.

يومنا الأخير في تلك الجزيرة أردناه مميزاً، وفي لحظة تبدّل كل شيء، لنستنفد ختام رحلتنا بحديث عقيم. لكن الأهم أنّنا نجونا من توقيع عقد وقع ضحيته أشخاص كثيرون ندموا على لحظة السير وراء خطط مموّهة توقع أصحابها في المجهول. إلا أنّني ولغاية هذه اللحظة أتساءل: كيف “صارت معي؟”.
0

مقال
في الحي الثقافي “كتارا” بقطر، وقبل أيام قلائل، شاركت في ورشة لكتابة الرواية، قدمها الدكتور أمير تاج السر، وهو علم من أعلام الرواية العربية الحديثة، وفي مناقشات بين التلاميذ والأستاذ سمعت عجبًا عجابًا؛ فبعضهم رصَّ جملًا إلى جوار بعضها، وابتعد كثيرًا عن جو الرواية من الأساس، وهذا لا بأس به فالبدايات دائمًا ما تحمل من الخطل والخطأ الشيء الكثير، أما ما يستوجب الوقوف عليه فغير ذلك!
نوقش الشاب في ضحالة اللغة والعك النحوي والصرفي؛ فما كان منه إلا أن رفع عقيرته قائلًا “فيه حاجة اسمها محرر”، ما يعني أن المحرر سيعيد الصياغة من ألفها إلى يائها، وأن دور الأخ سينصب على المجيء “بالديب من ديله”، وهذا في حد ذاته أهم من اللغة المفترض أن تكون جزءًا من سليقة الكاتب.

وفجأة تمثَّل بين عيني أكثم بن صيفي وهو يعظ أبناءه بقوله “المكثار كحاطب ليل”، وقد كان! إذ توسعت المناقشة مع الأخ إياه، وكشف عن طامة جديدة، قال: أنا لا أقرأ، أنا لا أحب القراءة! دارت الرؤوس تستكشف هول ما يقال، وتبودلت نظرات استياء بينهم، كيف يتعرض أحدهم للكتابة دون أن يقرأ؟ ألم يسمع هذا بما قاله أستاذنا إبراهيم عبد القادر المازني: “إن رأسي كعربة الرش، تحتاج إلى الامتلاء بالقراءة، قبل أن أفرِّغها بقلمي على الورق”.

وجاهدت لأبقى على قيد المتابعة، ونهيت ذاكرتي عن السباحة بي في عوالم أخرى، ولم يكن غريبًا أن يقول بسلامته إنه لم يقرأ رواية واحدة، وإن الكتابة لا علاقة لها بالقراءة، وأضاف بين السطور أنه يقرض الشعر، ولا أعرف أي شعرٍ يُقرَض من غير لغة! وسمعت الدكتور تاج السر يستنكر عليه قوله، ويقول إنه – مع كل ما نشره من أعمال – يواظب على القراءة ساعتين يوميًا!

ولن أتوسع في ذكر ما قيل، وتكفينا اللمحة الدالة على طريقة البلاغيين، ولا يصح أن يقول المرء إني سأكتفي بالمشاهدات الحياتية لأنقلها للناس في أعمالي، إذ عليه أولًا أن يتعرف إلى القواعد والقوالب، ثم له أن يخرج على الناس بطريقته الخاصة، بشرط أن يهضم القواعد ويفهمها، أما القائلون إننا نكتب “الكتابة التجريبية”؛ فهذا إن لم تسبقه ممارسة طويلة في دنيا الكتابة، لن يزيد كلامهم عن مجرد “قُصر ديل”.

لم يكتب نجيب محفوظ كتابةً تجريبية إلا بعد عام 1988، أي بعدما فاز بجائزة “نوبل”، وكان يتعاطى الكتابة منذ سنة 1928، ولم يفكر قبل “نوبل” أنه شيخ طريقة وصاحب مدرسة خاصة، ولا حتى أستاذ أو مدرس أول في دنيا الكتَّاب. الاجتراء على امتشاق القلم والتلاعب ببكارة الورقة البيضاء أمر يستخف به كثيرون، لا يعلمون أنّ ثمار ما يوضع في بطون الورق قد تأتي ممسوخة أو مشوهة الشكل، وعندها لن تفلح كل محاولات طبيب تجميل الكتابة “المحرر والمدقق اللغوي” في تحويلها إلى تحفة تروق الناظرين.

وبعد ممانعة طالت قليلًا، أسلمت العِنان لذاكرتي ورحت معها في جولتها الخاصة، كانت أول ما ابتدرتني به أن قالت: ما هذه السماجة؟ وكيف يتطاول الناس على مقام اللغة؟ وكيف لهم أن يزهدوا في القراءة ويحاولوا ما استطاعوا أن يلتصقوا بالكتَّاب؟ لم أحر جوابًا وأطرقت مليًّا علها تهدأ، لكن هيهات! قالت: إن هذا ليس وحي قلمٍ يدفعهم لتسطير خبراتهم، بل هو وحلُ قلمٍ سينزل على رؤوسهم وسيطمس أسماءهم.

وارتفعت حرارة حديثها – ولا أدري كيف أسكتها في ثورتها – وأمسكت بوريقات صُفر يفوح منها العفن، وألقت بها في النار قائلة: لو كان فيها خير ما تُركت ولا نُبذت، هذه أفكارٌ عقيمة، ظن أصحابها أنهم سيأتون بأبكار المعاني وألطاف المباني، لكن “نقبُهُم طلع على شونة” حين أمسكوا بالقلم، ولم يكن لهم صوت يُسمع حتى في حياتهم، كان صراخهم هسيسًا لا قدر له ولا قيمة.

ولما سكت عنها الغضب قالت: ذكرت في مطاوي حديثك أنه شاعر؛ أليس كذلك؟ قلت: بلى، هو ذاك، وفق ما سمعت! فأجابتني بصوتٍ كسير: ويلي على الشعراء! بالأمس كانوا منارة يرفعون خاملين ويخفضون خلفاء وأمراء ومرموقين، فصاروا اليوم لا يقرؤون، بل ويتبجحون بجهلهم وقلة بضاعتهم من القراءة. بالمناسبة – قالتها استدراكًا ولم أنطق طلبًا للسلامة – لا يعنيني هذا الذي ذكرت، ولا أعمِّم في حديثي عن الشعراء، بل إنهم قلة بين الشعراء الأفذاذ، ومؤكدٌ أن بضاعتهم في الشعر مزجاة، لكنهم نكأوا الجراح.

واستطردت: ذكرني كلامك بشاعرٍ آخر، إنه محمود حسن إسماعيل، وفي حديثه مع سامي داود، قال: “أنا لا أعترف بأيِّ شاعر ترتبط جذوره بثقافة الكتب، ولا بدَّ أن ينبع الشعر من التجارب النفسية المستقلة، ومن انصهارات الشاعر في العالم الواقعي الذي نعيش فيه”. غريبٌ أن ينادي الشاعر بالاعتماد على الوحي والإلهام وحده، وأن ينسلخ من الثقافة وصقل الموهبة؛ فإن هذا الانفصام يقتل الإبداع ولا يسعف المبدع على المدى الطويل، ولا بدَّ للشاعر والكاتب والأديب والروائي من الإلمام بما يجري واستيعابه؛ لتقديم طرح أدبي قوي وفلسفة تبقى، لا سيما أن الرواية – على سبيل الذكر – انتقلت من الحكي والحدوتة إلى عالم واسع من المعرفة.

في هذا التوقيت تحديدًا، كان عليَّ أن أتدخل وأدلي بدلوي – وإن قلت بضاعتي – فقطعت صمت إرسالي بقولي: صدقتِ ذاكرتي العزيزة، وفي هذا الإطار يرى أستاذنا رجاء النقاش في كتابه “أدباء ومواقف” أن سر إفلاس الشعراء العرب ضحالة الثقافة، واعتماد الشعراء العرب على مواهبهم وذكائهم الفطري، وهذا وحده لا يؤهل الشاعر لأن يعيش في عالم الأدب أطول من حياته.
وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار

وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار. لم يكتفِ النقاش بذلك، بل أورد عددًا من الأمثلة المُخجلة لمضمون فكرته.

ولما رأيت منها راحة لما تسمع، شجعني ذلك على الاستطراد – وهو أنا يعني مليش نفس؟ – فقلت: من هاتيك الأمثلة أن الشاعر علي الجندي كتب قصيدة “السائقات الفاتنات”، والقصيدة على سطحيتها إلا أنها ربما تعبر عن حال النساء في دولٍ سُمح لهن فيها بقيادة السيارات أخيرًا. وعن أجواء تلك القصيدة، قال الجندي: “كنت أسير في بعض ميادين القاهرة في صباحٍ مبكر؛ فكادت تصدمني سيارة تقودها فتاة ممن تسميهم الصحف السائقات الفاتنات، وقد سلمت من الموت ولكني لم أسلم من الفزع؛ فقد سقطت على الأرض وأنا مؤمن أني أصبت إصابة بليغة، وكانت مجاملة رقيقة من السائقة الفاتنة أن تطل من سيارتها فتطمئن علي، وقد غفرت لها ذنبها تكرمة لها، وبخاصة أنني عرفت أنها تنظم الشعر”.

هزَّ الموقف الشاعر فكتب قصيدة من ستين بيتًا بلا روح ولا عاطفة! وأنشد القصيدة الرديئة في مهرجان الإسكندرية للشعر! أما الشاعر الدكتور عبد العزيز برهام فقد نظم قصيدة من ستين بيتًا أيضًا، لكن موضوعها عن الحذاء الصغير! فكيف يقول الشعراء شيئًا ذا قيمة إن كانت هذه موضوعاتهم التي يدورون في فلكها. ومن قبل، كتب العقاد قصيدة المكوجي! وأخرى يرثي فيها كلبه “بيجو”، وأخرى لطفلٍ تعود شرب البيرة فقال: “البيلة البيلة، ما أحلى سلب البيلة!”.

وكتب شوقي قصيدة “بين مكسويني والأتوموبيل”، ومن قبلهم كتب البهاء زهير قصيدة البغلة! وللأمانة فبعض القصائد للدعابة ولا تخرج عن ذلك؛ فلا بأس بها، أما أن يكون الشعر كله عن مثل هذا فلا فائدة ترجى منه. زفرت ذاكرتي طويلًا، ثم تناولت كأسين من الأكسجين المنعش، وصمتت قليلًا – ولا أدري مبعث صمتها، ربما عاجلها الزهايمر – ثم قالت: نحن في أي سنة؟!

خيَّمت على وجهي دهشة، أحقًا هو الزهايمر؟ لكني أجبتها لأسايرها في ما ذهبت إليه: نحن في سنة 2020؛ فأنقدتني من حيرتي وهي تقول: ليتنا كنا سنة 1939 أو قبلها! أدركت أنها ترمي إلى شيءٍ بعينه، وإلا فإن عاقلًا لا يرتضي لنفسه أن يعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية، ويظل منقطعًا عن دنيا الإنترنت ومنشورات “فيسبوك” وتغريدات “تويتر” وعوالم – وأعتمد على حسن ظن القارئ في معنى العوالم – أخرى.

ولم تنتظر استفهامي عن تفجعها الحالي، ولماذا تريدنا أن نعيش في رحاب سنة 39؛ فسارعت تقول: في العدد 304 من مجلة “الرسالة” بتاريخ الأول من مايو/ أيار 1939، نشر توفيق الحكيم رسالة وردته من بعض القراء، وإني لأرجو أن يقرأ شباب سنة 2020 هذه الرسالة قبل أن يبادوا لامتشاق القلم؛ فأجبتها: لا أضمن لكِ ذلك، لا سيَّما وأن القراء – كالكرام – قليل، ويمكنكِ إن شئتِ أن تطلعينا على نص الرسالة، وبعدها “يفتح الله باب”.

قالت إنّ نص الرسالة على هذا النحو: “قرأت لك في مقال أنك تساعد ناشئة الأدب، واشترطت لذلك شروطًا، وإني راضٍ بها، وإليك ما يزيدك معرفةً بي؛ إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود، وذلك ناتج عن فقري. لا أقرأ غير الرسالة والرواية والثقافة، ولم أقرأ من الكتب غير بعض مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي وكتباً أخرى، وكانت كتابتي جيدة في الموضوعات الخيالية فقط، ولكني منذ بدأت أتأثر بكم؛ تغلَّبت طريقتكم عليَّ، وأنا قوي الذاكرة وأميل إلى التفكير، وأستطيع أن أنفق في شراء الكتب الأدبية ما يقرب من نصف الجنيه شهريًا، كما أني أستطيع أن أختلس للأدب خمس ساعاتٍ يوميًا”.

ويضيف صاحب الرسالة للحكيم: “لعل في هذه الإيضاحات ما يهوِّن عليكم أمر مساعدتي على السير في طريق الأدب الذي تصفونه بأنه وعرٌ وشائك، ولقد زاد إغرائي به ما نشرتموه في الرسالة من تحذيرٍ للشبان من الاشتغال به في هذا العصر”. وقبل أن تقرأ تعليق الحكيم على رسالة هذا الشاب، أريدك فقط أن تعيد قراءة جملته (إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود)، يعني الشاب يعمل “كمساري”، وأجره زهيد، وقراءاتُهُ محدودة، ثم طالع الكلمات التي تليها (وذلك ناتج عن فقري)!

لم يقل: وذلك ناتج عن أنني لست من هواة القراءة، ولا لأنه يملك من الخبرات ما امتلكه المسعودي في كتابته “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، وأزرى من خلالها ببعض ما كتب الجاحظ وانتقده؛ لأنه أي المسعودي ارتكز على مشاهداته، بينما اعتمد الجاحظ على مطالعاته، والأمر ذاته عند ابن خلدون في مآخذه على بعض ما أورده المسعودي. المهم أن الشاب تعلل بقلة مطالعاته لضيق ذات يده، وليس تنزهًا عن القراءة ولا ترفعًا عن مسالكها.

وعلَّق الحكيم على هذه الرسالة قائلًا: “نشرت هذه الرسالة التي جاءتني ضمن عشرات الرسائل في هذا الموضوع لسببٍ واحد؛ هو عجبي وإعجابي بقارئ تلك حاله، يبذل عن طيب خاطر سدس مرتبه الشهري وقسطًا وافرًا من وقته في سبيل الأدب. إنه ذكرني بقراء أوروبا، أولئك الذين يخصصون جزءًا ثابتًا من ميزانياتهم للكتب، ووقتًا منتظمًا معلومًا للقراءة، مثل هؤلاء القراء هم الذين قامت على أكتافهم نهضات أوروبا الأدبية، وهم الذين ظهر من بينهم أدباء أوروبا العظام؛ فإن الأديب لا يتخرَّج في مدرسة، إنما ينبت في حقل الكتب والمطالعات الشخصية”.
ويواصل الحكيم تعليقه: “وفي الأدب الفرنسي الحديث، مثلٌ صارخ لأديب من أصل بلقاني هو پاناييت استراتي، لم يكن يعرف الفرنسية، ولكنه غرق سنوات من المطالعة، وضنَّ بماله القليل على الطعام، وأنفقه في شراء كتب جعل يلتهم صفحاتها التهامًا، وإذا هو في يومٍ من الأيام قد استطاع الكتابة بالفرنسية، وإذا هو كاتب معروف يربح من كتبه الألوف. أعطوني إذن ألفين من طراز هذا القارئ، وأنا أضمن لمصر نهضة أدبية رائعة، وأدباء جددًا يسيرون في طريق المجد”.

هل يجب علينا أن نرفع من شأن كاتبٍ لا يقرأ؟ أليس في ذلك ما يزيده تبحرًا في وحله؟ ألا ينجم عن ذلك – وينجر عنه – أن يزيد واقعنا وحلًا وسطحيةً وضآلة وتقزُّمًا ووكسة وخيبة وقلة قيمة؟ تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي – بين الحين والآخر – مقولة مفادها “لا تجعلوا من الحمقى مشاهيرْ”؛ فمتى نفيق من سطوة وحل القلم؟ ومتى نعود إلى رحاب وحي القلم؟

يرى بنيامين فرانكلين أن “استثمارك في المعرفة وتطوير ذاتك يمنحك العائد الأكبر”، ويقول تشارلي منغر الملياردير العصامي وشريك وارين بافت “كل الحكماء الذين قابلتهم في حياتي كانوا يقرؤون معظم أوقاتهم”. يأخذ باراك أوباما ساعة كاملة يوميًا في مكتبه للقراءة، ويقرأ بيل غيتس كتابًا كاملًا في أسبوع مع إجازة سنوية لمدة أسبوعين للقراءة فقط. أما ألفين توفلر فيؤكد أن “الأمية في القرن الحادي والعشرين لا تعني التوقف عن تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ولكنها تعني التوقف عن القراءة والتعلم والبحث باستمرار، وكذلك عدم طرح الأفكار وتطوير المعرفة”.

هل نصدق ابن المقفع والجاحظ وابن عبد ربه وبنجامين فرانكلين وشارلي منغر؟ أم نصدق محمود حسن إسماعيل ومدعي الثقافة؟ الأمر لك والقرار لك، والرجاء ألا تُسلم عِنان فكرك وألا تقتل وقتك في غير القراءة والتعلم والإفادة من وقتك، واحذر – ما استطعت إلى ذلك سبيلًا – من وحل القلم.
0

مقال
مع فجر التاريخ، بدأ الإنسان يصارع الوحوش ويروِّض بعضها، ونجح تدريجيًا في استئناس حيواناتٍ وسخرها لتنفيذ رغائبه، وابتعد عن تلك المستعصية على الترويض؛ فأمِن بطشها بقدر ابتعاده عنها. مع الإيغال في الحداثة والتكنولوجيا، بدا وحشٌ جديد يظهر على الساحة، وحش غريب لم يعهده الإنسان قبلًا، وإن استعمل الهنود الفيلة سلاحًا في حروبهم، فإن الوحش الجديد ليس له ضخامة الفيل، ومع ذلك فمخاطره أشد عاقبة ووبيلا.

مع ظهور الفقيد نوكيا 3310، لم يتوقع أشد المتشائمين – ولو كان شوبنهاور نفسه – أن ينقلب جهاز في حجم كف اليد إلى غول، “غول عينه حمرا” يسرق أعز ما نملك، ولا تذهب دماغك يمنةً ويسرة، فإن لفظة أعز ما نملك ترتبط بمعانٍ كثيرة، لكن المراد هنا سرقة الوقت! لا يملك المرء مهما حاول أن يعيد الزمن ثانيةً واحدةً للوراء، ربما يفعلها على الورق أو على شاشة السينما، إنما في دنيا الواقع فلا سبيل لذلك على الإطلاق.

لكن الأجهزة الذكية الحديثة، والتي تنظر لسلفها النوكيا 3310 وأترابه الغابرين، تسرق الوقت بأشكال مختلفة؛ فتارةً يجلس المرء ساعاتٍ ليقرأ أخبارًا طريفة، أو ليلعب لعبة جماعية ويرفع عقيرته بين آن وآخر “ماكو عرب في الطيارة؟!”، أو يدردش مع صديقته التي يظهر له لاحقًا أنها شاب، وما أكثر المقالب وأسخفها أحيانًا.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني تأثير إطالة التعزيز الجزئي؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني


فريقٌ آخر نذر نفسه لتحصيل المعارف والعلوم، يجلس لساعات طوال أمام الشاشات، يتابع فيلمًا وثائقيًا أو محاضرة علمية، والمحاضرة تجر الثانية والتاسعة والمئة والألف، ولن أحدثك عن مهندسي التصميم الغرافيكي والمونتاج والدوبلاج، وهكذا دواليك حتى ينظر أحدهم لمرآته مبهوتًا، فيردد مع أستاذنا الكبير عبد الباسط حمودة “بصيت لنفسي فجأة لقيتني كبرت فجأة.. وفصلت شبكتي”، ثم يُهنِّج وتظهر عليه أعراض Error 404، ونسأل الله السلامة.

واحد من التقارير الحديثة لسرقة الوقت، يطل علينا من مدينة الضباب، أجرته شبكة الاتصالات البريطانية “أوفكوم”، وأظهر التقرير تخصيص البالغين في بريطانيا مزيدًا من الوقت اليومي لاستخدام الأجهزة التكنولوجية، وبلغ متوسط الاستعمال اليومي (8.41 ساعة/يوميًا)، بينما معدل نوم هؤلاء (8.21 ساعات/يوميًا). هل تتخيل حجم السرقة اليومية من وقتك؟ يحدث ذلك بمجرد أن تنسل يدك إلى جيبك، وتمسك بالموبايل وتقلِّب فيه قليلًا؛ فتأخذ جولةً من تويتر إلى فيسبوك ثم تعرِّج إلى إنستغرام، ومنه إلى العزيز سناب شات ثم تقفز إن وجدت فرصة إلى تيليغرام وبينترست، ولربما تحدثك نفسك بتصفح البريد الإلكتروني.

في هذا العصر، كلنا هذا الرجل الذي يعاني متلازمة الشقلبة على مواقع التواصل، وبينما كان مجنون ليلى (يمر على الديار ديار ليلى/ يُقبِّل ذا الجدارِ وذا الجدارِ)، فإذا بنا نمر على بروفايل الكراش والحبيب والأنتيم والإكس وهلم جرا، وتنزف أوقاتنا وتُنتهبُ أعمارنا ونحن بين لاف ولايك وشير وكومنت وديسلايك! ولا يمنع المرء نفسه من النظر إلى موبايله كل دقيقتين، والبعض يشعر أن الدقيقتين رقم فلكي، فتراه يتفحص هاتفه في الدقيقة مرتين أو مرات!

هؤلاء يذكرونك بالفنان “بيتر سيلرز” في فيلم Dr. Stangelove، إذ أدى سيلرز دور دكتور يدعى ستانجيلوف، لا يملك السيطرة على يده، ما عرف لاحقًا بـ”متلازمة اليد الغريبة”، وإن كانت متلازمة اليد الغريبة تشير إلى اضطراب سلوكي فيؤدي المرء تصرفات لا يرغب بها مطلقًا، ويجد نفسه يقع في فخها لاشعوريًا؛ فإن التصفح المتكرر والمتقارب زمنيًا للهاتف يشي بمشكلة ما في التعامل مع الأجهزة الذكية.

في دراسة ثانية، ندرك أن الأشخاص يقضون ضعفي الوقت على الإنترنت، إذا ما كانت هواتفهم المحمولة من فئة الأجهزة الذكية، وذلك مقارنة بالأشخاص أنفسهم قبل عشر سنوات! ويخصص هؤلاء ما نسبته 28% من وقتهم لشبكات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن 20 ساعة على الإنترنت أسبوعيًا، وكذلك ساعتين ونصف الساعة لتصفح شبكات التواصل الاجتماعي أثناء التنقل في وسائل المواصلات.

دراسة ثالثة تطل برأسها، لكنها تأتي من بيئة العمل، وفيها أن موظفي المكاتب يقضون ساعةً يوميًا في ممارسة أنشطة غير متعلقة بالعمل، وأن نصفها تقريبًا يتعلق بالشبكة العنكبوتية، لكن هذه النسبة ليست دقيقة، إذ لم تشمل فحص سجلات الإنترنت، وإلا لقفز الساعة لتصبح ساعات، وربما تلتهم قدرًا كبيرًا من وقت الموظف.

البعض يتخذ من تفحص شبكات التواصل الاجتماعي ذريعة للنشاط، والابتعاد عن التوتر قدر المستطاع، بينما بعض الدراسات تشير إلى أن المرء يحتاج مدة للتعافي من تصفح البريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، تصل هذه المدة إلى 64 ثانية، في حين تؤكد دراسات أخرى أن المرء يقضي ثلاث دقائق في كل مهمة قبل الانتهاء إلى الأخرى.

تؤرق مشكلة الاندماج بالعالم الافتراضي والانفصال عن الواقع العلماء والأطباء وغيرهم؛ فنرى جيمي دين في كتابه “صنع العادات، كسر العادات”، يخصص فصلًا يتناول فيه أبعاد المشكلة، ويخلع على الفصل الثامن من كتابه عنوان “متصل بالإنترنت طوال الوقت”، واستهله باستعراض مشكلة فتاة يونانية تبلغ 24 ربيعًا، وقد أودعت بعيادة أمراض نفسية إثر انفصالها عن الواقع، وذوبانها بالكامل في عالم صداقات فيسبوك!

ويرى المؤلف أن التصفح المتقارب للبريد الإلكتروني وتويتر – وغيرهما – تشبه ما يطلق عليه علم النفس السلوكي اسم “جدول التعزيز الفاصلي المتغيِّر”؛ فالمرء يتحقق من بريده الإلكتروني كل خمس دقائق ترقُّبًا لجديد، وإن لم يحمل هذا الجديد قيمة تُذكر – أو على حد تعبيره “رغم تفاهة أغلب الرسائل التي تصل وضآلة قيمتها” – وإذا لم يجد شيئًا في بريده فإنه يمني نفسه بجديد بعد خمس دقائق أخرى، ويدور في حلقةٍ مفرغة.

لم يكتفِ جيمي دين بذلك، بل عمد إلى تشبيه هذا الشخص بالفأر! فإن الفأر يوضع في اختبار، وأمامه رافعة عندما يضغط عليها تظهر أمامه كرة صغيرة من الطعام، قد نجح الفأر في الحصول على هديته، وربط لاشعوريًا بين الضغط على الرافعة ووصول الطعام؛ فيعمد إلى تكرار الضغط على الرافعة، وإن لم يجد كرة الطعام ماثلة أمام عينيه، فإنه لا ييأس وتتوالى محاولاته، ويتحمل الشعور بالإحباط، ولا ينقطع عن متابعة الضغط على الرافعة وإن قلَّ معدل التكرار.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني “تأثير إطالة التعزيز الجزئي”؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني، أو يتفحص منشوراته على فيسبوك وتغريداته على تويتر وغيرها. للخروج من هذه الدوامة ينصح دين بضرورة تعزيز سلوك مختلف، وإن لم ينجح السلوك المختلف فإن العقاب قد يفي بجزءٍ مقبولٍ من الغرض.

يرفض دين تسمية هؤلاء بـ”المدمنين”، ويقترح التعامل بمصطلح بعض علماء النفس نفسه القائل إن هذه الحالات تعاني من “خلل في إدارة الذات”، ما يعني أن الشخص خارج نطاق السيطرة، وأنه ترك الأمر برمته لعقله الباطن ليتلاعب به. الخلل يكمن في أحد أمرين؛ إما الخلل في الملاحظة أو الخلل في رد الفعل، وكلما ترسخت هذه العادة ازدادت الحياة سوءًا. يؤكد دين أن حل المشكلة يكمن في نقطتين؛ الأولى مراقبة هذه العادات، والثانية إعادة القرار إلى العقل الواعي، ما يضمن أن الأمور تحت سيطرته.

إذا تركنا جيمي دين وانطلقنا في رحلة مع “روس ديكينسون”، وجدناه يأخذ بأيدينا إلى نقطة أثارها دين، وموجزها إثارة تعزيز سلوكٍ مختلف؛ فيختار ديكينسون عنوان كتابه “كيف تفصل الكمبيوتر والهاتف وتحرر التخيل والمغامرة”، ويضع عنوانًا فرعيًا “تحرر من أجهزتك الإلكترونية وانعم بحياتك”، وفي هذا الكتاب يضع قائمة أشبه ما تكون بـ”قائمة مرجعية” يمكنك الإفادة منها، ووصل حبل الود مع الناس والطبيعة والبيئة من حولك، والتخلص تدريجيًا من الشرنقة الخانقة التي نسجتها حول نفسك بتقوقعك على شبكات التواصل الاجتماعي وانزوائك عن محيطك الواقعي.

ويضع ديكينسون بين يديك قائمة موجزة من النصائح، للتحرر والانعتاق من سطوة هاتفك الخلوي، ويطرح عليك بدائل لحياة واقعية أكثر تفاعلية وإيجابية، نتعرف إلى هذه النصائح وغيرها قريبًا.
0

مقال
نواصل التطواف في الجزء الثالث والأخير من كتاب “صنع العادات، كسر العادات”، ويحمل هذا الجزء عنوان “تغيير العادة”، وفيه الفصول من (9 – 13). يتحدث الفصل التاسع عن بناء العادات، ويؤكد جيرمي دين على أن العادات لا تختفي، ومن ثَمَّ لا نبحث عن قهر عادة ما، بل نحاول تغيير العادة فحسب.

يرشدك المؤلف في مطلع هذا الفصل أن تسأل نفسك: ما العادة التي أريد بناءها؟ من أين يأتي الدافع؟ متى وكيف يجب عليَّ ممارسة السلوك ليتحول إلى عادة؟ كيف أتعامل مع الفشل وعدم الرضا ومشكلات الحياة اليومية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تختصر لك مسافات شاسعة في مشوار تحقيق أهدافك.

اختر هدفًا عظيمًا وضع في حسبانك أن بلوغه سيأخذ وقتًا ومجهودًا كبيرين، ولا تقع تحت وطأة التخيلات الإيجابية، فرِّق بين التخيل والتصور. إن طريقة تخيل نفسك ناجحا ستنجح لم تعد فعالة، الأمر أكبر من مجرد التخيل، ثم التزم بهدف محدد؛ فكل شيء لا يستقيم من دون الالتزام. استعمل – إن شئت – التخيل والتصور معًا بشرط أن تقرن بهما المقارنة؛ فتصبح المعادلة على النحو الآتي (التخيُّل: رؤية إيجابية تتخيل فيها المشكلة بعد حلها/ التصور: التفكير في الجوانب السلبية للوضع الحالي).
يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك
أما المقارنة فتركز على الدمج بين التخيل والتصور، وهي الاستراتيجية الأكثر نجاحًا، إنها أشبه ما يكون بتحليل SWAT، وتجبرك المقارنة على تقرير ما إذا كان الهدف قابلًا للتحقيق أم لا، وهذا ما تبحث عنه عند تبني عادة جديدة. استراتيجية المقارنة تعتمد الاختصار WOOP ويشير إلى (الأمنية، النتيجة، العائق والخطة). الإشكالية في استراتيجية المقارنة أنها صعبة من الناحية العملية، كما لا يحب الناس الانتقال من الأفكار السعيدة إلى الأفكار التعيسة.

حدد الدافع ثم ضع الخطة. تنصحك هايدي جرانت هالفورسون في كتابها “9 أمور يفعلها الناجحون على نحو مختلف”، بالإفادة من القاعدة الشرطة (إذا… فسوف)، بينما يطلق عليها جيرمي دين (إن… إذن)، والسياق (الموقف/ البيئة) المناسبة لتكوين العادة يجب أن توازن بين العام والخاص، أي يكون شاملًا لإتاحة فرص وافرة للممارسة، ومحددًا بما يكفي لتحفيز الإجراء المطلوب. من الطبيعي أن تحتاج الخطة للتعديل والتحسين.

مسألة أخرى تتعلق بالسياق، ألا وهي التوقيت! ما العوامل المؤثرة في استمرار ممارسة العادات الجديدة؟ ثمة عوامل تتحكم في متابعة مجرى العادات الجديدة، من بينها الرضا عن العادة الجديدة، وتتغلب على عدم الرضا بالحصول على دعم الآخرين لك، ومن ذلك مثلًا الانضمام إلى مجموعة لها الاهتمام نفسه. العادة خطوة سلوكية كبيرة، تتكون من خطوات سلوكية صغيرة بشكل تتابعي، فإذا اكتسبت التلقائية انتقلت إلى حيز العادة. تنقسم العادات -كذلك- إلى قوية وضعيفة، ويرتبط ذلك بالسياق، وتتراكم التصرفات اللاشعورية الصغيرة لتحقيق هدف واحد كبير، وهنا تترسخ العادة بدرجة أقوى، وندخل في إطار الحرب بين العادة والنية، وقد نوقش ذلك في الفصل الثاني تفصيليًا.

يلعب استخدام الخطط التنفيذية دورًا آخر لا يقل أهمية عن الرضا، ويتعين عليك مراقبة التقدم في العادة الجديدة، وقياس الأثر المترتب على عادتك الجديدة. من بين العوامل جميعها، احذر فخ المكافآت (أخطر الطرق)؛ لأن التعود عليها يُفقدها تأثيرها! وبمرور الوقت لن تسعفك المكافآت، وستضطر إما لرفع سقف المكافآت، وهذا يستنزفك ماديًا، أو اعتماد طرق أخرى أكثر جدوى.

من بين أبرز تحديات تكوين العادة الجديدة: الضجر والصرامة، وسيزيد معدل نجاحك بمقدار مرونتك، وهذه المرونة تكسبك القدرة على التعاطي مع العوامل الطارئة وتوظيفها لخدمة عادتك الجديدة، وتبعدك مسافة آمنة عن منطقة راحتك، ولكن لا تكن مرنًا في التقهقر إلى عاداتٍ قديمة تباعدت عنها. يكمن جمال العادات في أنها تصبح أكثر سهولة مع تكرارها؛ فالتكرار أساس ركين في تكوين العادات وإتقان المهارات.

ويناقش الفصل العاشر مفهوم “التخلص من العادات”، وهل حقًا يمكن التخلص من العادات غير السوية، والفرق بين التخلص من عادة ما وتغيير هذه العادة، ولماذا لا ننجح في قهر العادات القديمة وإن حاولنا؟! إن كلمة السر في بناء عادات جديدة موجزها (التكرار)، بينما كلة السر في التخلص من عادات قديمة (الوعي التام)، والمراد بالوعي التام أن يكون ذهنك حاضرًا في اللحظة الراهنة، لكنه للأسف لا يصلح للجميع، ويمكنك الانتقال إلى استراتيجية أخرى مثل المراقبة اليقظة، الإلهاء، تغيير الوضع.

يناسب الوعي التام العادات القوية، إذ يعد الاستراتيجية الأكثر فعالية، ثم الإلهاء في المرتبة الثانية، ويعني ذلك أن التخلص من عادةٍ ما يستلزم الحفاظ على انتباهنا؛ لندرك المحفزات والمغريات المرتبطة بالعادة. يواجهنا تحدٍ آخر يتمثل في أن الوعي التام يعمل فقط على المدى القصير، ويخذلنا على المدى الطويل، ومحاولة قمع الفكرة تجعلها أكثر رسوخًا في النفس، ما يؤكد أن القمع يأتي بنتائج عكسية وفق نظرية العمليات المتناقضة. هذه النقطة تحديدًا يعالجها كتاب “امتحان المارشميلو” الشهير، لمؤلفه أستاذ علم النفس بجامعة كولومبيا الدكتور والتر ميشيل، وكذلك يناقشها كتاب “خرافة الكاريزما” للأستاذة بجامعات هارفارد وييل وستانفورد، أوليفيا فوكس كابين.
مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم
هذا يأخذنا لنقطة مهمة، ومفادها أن التخلص من العادة القديمة يجب أن يكون بالإحلال والاستبدال، تمامًا على طريقة التفاعلات الكيميائية بالإحلال والإزاحة، وهذا يشمل تكوين عادات جديدة تحل محل عاداتنا القديمة، وليس بالإقلاع التام عن العادة القديمة، كما أن ذلك يشير لوجود العادة القديمة وإن كانت كامنة تتحيّن الفرصة للظهور. إن العادات القديمة تموت بصعوبة، تكون خاملةً ليس إلا؛ فبناء العادة الجديدة لا يدمر العادة القديمة وإنما يقيّدها، إنها مسألة منافسة بين العادتين والبقاء لمن غلب!

القدرة على ضبط النفس محدودة، البعض بارد برود الثلج لكنه لا يمكن أن يعول على بروده طوال الوقت؛ فقد يخذله ذلك في لحظة ما، ويمكن لمن يعاني من تراجع ضبط ذاته أن يمارس بعض الجهود المفيدة. التخلص من العادات القديمة يتأثر بوضع الخطط وتنفيذها بمرونة، مع قدر كبير من ضبط النفس وتغيير السياق، وهذا ضروري في إطار اكتساب العادات الجديدة، ربما تضطر لتغيير بعض الأصدقاء إن كانوا مدمنين وأردت أن تتعافى، قد تتخلى عن الشلة إن كانت جلساتكم تجبرك على تناول كميات كبيرة من الطعام، أو تغيِّر مكان اللقاء.

يأتي الفصل الحادي عشر تحت عنوان “العادات الصحية”، وفيه ندرك أن التغلب على العادات السيئة يعني تعزيز الدافع ودعم ضبط النفس، وأن طريقة المقارنة تعزز من قوة الدافع وتساعد على ضبط النفس، وأن الهدف الحقيقي للتغيير الشخصي هو إبعاد تفكيرنا عن العلاجات السحرية والإصلاحات السريعة، واعتماد استراتيجيات طويلة المدى. إن تغيير العادات ليس سباقًا للجري السريع، إنه ماراثون! ماراثون يتطلب عوامل دقيقة للتعامل وضبط السرعات والإفادة من الفرص المتاحة لتحقيق المراد، مع التزام سياسة النفس الطويل.

بينما الفصل الثاني عشر “العادات الإبداعية”، يعالج قضية الإبداع من طرق شتى، ويتسم الإبداع بكثير من الغموض، والعادة تكبح الإبداع، ومن هنا يأتي التحدي القاسي. يقدم المؤلف نصيحة للمبتدئين في المجالات الإبداعية: “تعمَّق في تحصيل المعرفة، واستمر في شحذ المهارات والعادات المطلوبة”.

يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك. ولعلك تسأل: كيف أتخلص من طرق التفكير الاعتيادية؟ يمكن تعزيز الإبداع من خلال وضع بعض القيود؛ فالحاجة أم الاختراع، والحاجة تفتق الحيلة.

اطرح سؤال ماذا لو؟ فرِّق بين العقلية التراكمية والعقلية الاختزالية؛ فالعقلية التراكمية تضيف للموقف شيئًا ما (تفكيرها شمولي)، في حين أن العقلية الاختزالية: تطرح شيئًا عن الموقف (تفكيرها تحليلي). يساعدك الاستعداد كثيرًا؛ فخذ وقتك في التحضير والإعداد.

ثمة علاقة قوية بين الإبداع والقدرة على توليد الأضداد (التفكير اليانوسي/ التفكير التناظري)؛ فاستثمرها على طريقة المبتكرين. يمر المبتكرون بأربع مراحل (دافع قوي للابتكار، الابتعاد عن مسارات التفكير المطروقة؛ فيطرح طريقتين -أو أكثر- متعارضتين، ثم يدمج بين الأفكار المتناقضة، ومن خلال ذلك يبني فكرته الجديدة).

تعلَّم الفرق بين التفكير المجرد والتفكير التحليلي، واجمع بين العقل الشارد والعقل المسيطر؛ فإن مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم.

في الفصل الثالث عشر والأخير “العادات السعيدة”، نتعرف إلى معوقات السعادة التي تتمثل في التعوُّد على النعم، والحفاظ على السعادة يستلزم ممارسة الامتنان، والثقة أن التنوع نكهة الحياة، مع ضرورة الاستمتاع باللحظة الراهنة قدر المستطاع. يزوِّدك المؤلف بموقعه الإلكتروني في حال أردت مناقشته أو الاطلاع على الدراسات الجديدة المتعلقة بموضوع كتابه، وهو من الكتب الجديرة بالقراءة والإفادة منها، ولا سيَّما أن أسلوبه مبسَّط وبعيد من التعقيد، وإن كان يعالج مسائل تتعلق بعلم النفس بالدرجة الأولى.
0

مقال
يُكثِر الناس مما يحبونه، وإن قتلهم. فكِّر في الأكل مثلاً، يدفعهم إلى ذلك حافز داخلي أو فضول لا يجدون له تبريراً، وقد يحشرون أشياء لا رابط بينها، لا لشيءٍ إلا لأنهم لا يعرفون غيرها، أو لم يوطنوا أنفسهم على توسيع دائرة مداركهم ومعارفهم، ولربما كان الرجل موسوعي الفكر والثقافة، لكن المباغتة تروِّعه وتجهز على حضور بديهته، فيدخل رجب في شعبان وشعبان في رمضان، وكل عام وأنتم بخير!

عربدت تلك الفكرة في رأسي، عربدت طويلاً مع كل تكرار ممجوج، يكرر خطيبٌ على الأسماع الكلمات ذاتها، في حضور الوجوه نفسها، وترتسم ابتسامة بليدة على الوجوه، وقد يبالغ أحدهم في الافتعال وتنتفخ أوداجه وهو يثني على القصة المكررة، ويعجب من كان له عقل مِن حفاظ الافتعال المفضوح، ولا سيَّما عند مقارنته بدرجة الحماسة وقت سماع الكلام بِكراً!

عشّشت الفكرة في رأسي بزيادة وأنا أقرأ كتاب “5 دقائق للتحرر من التوتر”، إذ أصرت الكاتبة “لورين إي. ميلر” على أن الجمل سفينة الصحراء، وآلت على نفسها أن تذكِّر القارئ – بلا أدنى مبالغة – في صفحات الكتاب كلها بمعلومة مهمة، معلومة واحدة تتكرر كل صفحة، أن الكاتبة أصيبت بسرطان الثدي وقصّت شعرها ولطمت خدها… إلخ، إلى درجة تدفع القارئ – ولا سيَّما إن كان قولونه صينياً وخلقه ضاق – إلى قراءة الكتاب على أوقات متباعدة – على غير عادته – والتعهد بألّا يقرأ للسيدة ميلر أي كتاب، ولو كان فيه سر الخلود!

سألت نفسي سؤالًا: لماذا يكرر المرء نفسه؟ أيظن هؤلاء أنهم السيدة أم كلثوم؟ كلما غنت -وركز معي في غنت- مقطعًا أو كوبليهًا -إن صح النصب والتنوين فيها- طالبها الجمهور بإعادته والترنم بها مراتٍ ومرات!

تروقني فكرة التنوع في الطرح، ويستهويني التعدد! وأضرب كفاً بكفٍّ كيف يطرب الرجل للتعدد ويمقته في آن واحد. وقبل أن نستطرد في هذه النقطة، فليسمح لي الجنس الناعم أن أبرئ ساحتي وأوضح مقصدي، فأنا لم تتصل لامي بباء على طريقة شيخنا أبي العلاء المعري، بالبلدي أعزب أنا ولله الحمد، ومن ثَمَّ فإنني لست من أنصار التعدد الزوجي – على الأقل حتى كتابة هذا المقال – لكنني أتحدث هنا عن تعدد الأمثلة وتنوع الشواهد.

تميل النفس البشرية إلى الملل والخنقة السريعة، وفي عصر السرعة أصبح المط غير المبرر واللت والعجن مكروهاً، وعلى حد تعبير أستاذنا أحمد منصور، فإن “ديمقراطية الريموت كنترول” متاحة لدى المشاهد والمستمع؛ فإذا لم يعجب المشاهد برنامج ما، فلن يتردد في تغيير المحطة التلفزيونية أو الإذاعية. هذا من حسن الطالع للمشاهد عن بعد، لكن الأمر يختلف إن تقابلت الأوجه، واضطر المرء تحت وطأة الحياء أو الخجل إلى أن يستمع إلى خطيب أو متحدث أو معلم ما، ولم يتقِ الأخير ربه وعاقب مستمعيه وهو يجترّ ما قاله سلفاً دونما تنويعٍ – على أقل تقدير – في الأمثلة والقصص والشواهد التي يسوقها.

اعتاد ابن السماك أن يقول ويعيد، ثم يقول ويعيد، وهكذا دواليك، والناس يجلسون بين يديه لا يملكون إلا الانتظار حتى يفرغ، مذعنين له إذعاننا لصاحب الكرة أيام طفولتنا الغضة. في بعض الأيام سأل ابن السماك جاريته، والحمد لله إذ إنه سألها: هل أعجبكِ ما أقول؟! قالت: نعم! لكنها ولله الحمد والمنة لم تقف عند نعم، بل استطردت في جوابها لتقول: نعم! غير أنك تكثر ترديده؛ فأجابها ليردّ على طلب إحاطتها غير المتوقع: أكرره ليفهمه من لم يفهمه؛ فأفحمته بقولها: حتى يفهمه من لم يفهمه، يكون قد ملَّه من فهمه! لم يراعِ ابن السماك مسألة القدرات الفردية، وكان لا بدَّ للجارية أن تسجل هذا الاعتراض؛ لينتبه من تكرارٍ يأتي في غير محله.

بعضهم يظن التكرار بلاغةً وحسن بيان، لكن الأعراب لا يوافقون هذا المنهج، وربما الأعراب وحدهم – فضلاً عن سيادة المستشار مرتضى منصور – يملكون القدرة على الاعتراض الفج، ويكسرون قواعد الإتيكيت والبروتوكول والدبلوماسية، لا تستهويهم سياسة النعومة والغُريبة والبيتي فور، ناس دوغري وتجيب من الآخر. أحد هؤلاء الأعراب قذفته الأقدار ليحضر مجلس ربيعة الرأي، ونظر الأعرابي ببلادة إلى ربيعة وهو يستعرض مهاراته في الأدب والنحو والعروض، وقد أعجب ربيعة بنفسه أكثر من إعجاب الأستاذ محيي إسماعيل بشخصيته وأدائه!

التفت ربيعة إلى الأعرابي وقال له: ما تعدون البلاغة يا أعرابي؟ فأجابه: قلة الكلام وإيجاز الصواب! كان بمقدور ربيعة أن يلم الليلة ويختصر الدور، لكنه اختار أن يعلي ويأفور، فسأل الأعرابي الحانق: فما تعدون العيّ؟ قال: العيّ ما كنتَ فيه منذ اليوم؛ فألقمه الحجر ولبِّسه في الحيط! حتى أوشك الأعرابي أن يقول له: يا ربيعة! أنت مبتعرفش تتكلم!

هذا طرف من نبأ التكرار غير المستساغ، طرف آخر من هذا التكرار يميل أصحابه إلى جرّ الحديث إلى ساحتهم، وليّ عنقه، ولو بعد التحرش به واغتصابه والتمثيل بجثته إن لزم الأمر – والمراد هنا سياق الكلام ولا تذهب بخيالاتك بعيداً – ويستميتون في إيلاج الجمل في سمّ الخياط، المهم أن يرموا “الإفيه” بأي طريقة كانت، وعلى منهج اليهود “موسى مات! ناشف طري هات”. هذا النوع يحمل بين طياته كوميديا أو ملهاة قد تنقلب إلى إفيهات محفوظة ومتداولة، وقد أكثر منها الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي “مدبوليزم”، ومن أشهر هذه الإفيهات “شيلوا الميتين اللي تحت”، وإليك أمثلة أخرى من هذه الطرائف.

في طفولته، حفظ أنيس منصور القرآن الكريم، ثم تعاطى شيئاً من الشعر، واستهوته بعض الأبيات التي كثيراً ما تمثَّل بها، ومنها قول الشاعر (نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ/ ونومك ليلٌ والردى لك لازمُ/ تُسَرُّ بما يُغني وتفرح بالمنى/ كما سُرَّ باللذاتِ في النومِ حالِمُ/ وتسعى إلى ما سوف تكره غِبَّه/ كذلك في الدنيا تعيش البهائِمُ).

ويطلب معلم اللغة العربية أن يكتبوا موضوعاً في الإنشاء، فيكتب أنيس كما يكتب أقرانه، ويعمد إلى تلك الأبيات ويلوي عنقها ويجبرها قهراً على خدمة موضوع تعبيره، ولعلَّك تسأل: وعن أيّ شيءٍ كان الموضوع؟ ثم لتُدهش حين تعلم أن المعلم طلب إليهم أن يكتبوا عن الفرق بين الصيف والشتاء، فأدخل منصور مع الصيف والشتاء العمر والحساب والندم والأماني والأغاني، ولسان حاله “والجمل سفينة الصحراء”.

تحامل بعض الطلاب على الجمل، وحمّله فوق ما يطيق بكل المقاييس المحلية والأوروبية والأميركية، ومجمل القول أنه نشأ في بيئة الجمل هو حالها ومحتالها؛ فربط كل ما في عالمه بالجمل، وكما أن كل الطرق تؤدي إلى روما، فإن الجمل سفينة الصحراء، وكما أن أهل مكة أدرى بشعابها، والشعاب قد تكون بجرية أو جبلية صحراوية، فالجمل بما حمل سفينة الصحراء! أصيب المعلم بذبحة صدرية وارتفاع مزمن في ضغط الدم، والطالب على حاله يردّ الفروع إلى الأصول والجمل سفينة الصحراء!

وقبل قرون، أهدى أبو الهذيل دجاجةً إلى مويس بن عمران، ومويس من مياسير أهل البصرة، لا حاجة له بدجاجة أبي هذيل ولا غيره، ولم يترك فرصةً تمرّ دون أن يقول لمويس: “وكيف رأيت – يا أبا عمران – تلك الدجاجة؟”، فيجيبه ابن عمران: كانت عجباً من العجب؛ فيرد أبو الهذيل: وتدري ما جنسها؟ وتدري ما سنها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن، وتدري بأيّ شيء كنا نسمِّنها؟ وفي أيّ مكان كنا نعلفها؟ فلا يزال في هذا الأمر والآخر – مويس – يضحك، ضحكاً لا يعرفه أبو الهذيل.

وكان أبو الهذيل أسلمَ الناس صدراً وأوسعهم خلقاً وأسهلهم سهولة؛ فإن ذكروا دجاجةً قال: أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة؟ فإن ذكروا بطة أو جزوراً أو بقرة؛ فيقول: “فأين كانت هذه الجزور من الجزر، من تلك الدجاجة في الدجاج”، وإن استسمن أبو الهذيل شيئاً من الطير والبهائم، قال: “لا والله! ولا تلك الدجاجة”، وإن ذكروا عذوبة الشحم، قال: “عذوبة الشحم في البقر، وبطون السمك، والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج”، وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان، قال: “كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم”، وكانت مثلاً في كلِّ شيء وتاريخاً في كلِّ شيء.

وسألت نفسي سؤالاً: لماذا يكرر المرء نفسه؟ أيظن هؤلاء أنهم السيدة أم كلثوم؟ كلما غنت – وركز معي في غنت – مقطعاً أو كوبليهاً – إن صحّ النصب والتنوين فيها – طالبها الجمهور بإعادته والترنم به مراتٍ ومرات! الصراحة أنهم ليسوا كوكب الشرق، وإن حاولوا، ولذلك يجب عليهم أن يقلعوا عن اجترار ما يقولونه، وأن يبحثوا عن قافية جديدة وأمثلة جديدة، ربما يعوزهم الوقت للتحضير أو تحديث نسختهم من القصص والحكايات والأمثلة والشواهد؛ فلا بأس أن يصمتوا قليلاً حتى شحن بطاريات قصصهم وشواهدهم، وألا يصدعوا أدمغتنا عمال على بطال!

لكن مُسلَّمة “والجمل سفينة الصحراء” ليست مفيدة على طول الدرب، وإليك قصة تؤكد جانباً من الأمر. حفظ أحدهم موعظة، قرأها في كتاب ما وأعجبته فابتلانا بها، ما يعجبه يقذف به في وجوه الناس، لا على سبيل اللايك والشير، بل على سبيل “هتسمع يعني هتسمع”! دخل بموعظته بعض المحافل وراقه أن يلقي كلمته، ومن بين كل الكلمات والمواعظ النبيلة والحكم الجليلة، وقع اختياره على مقطوعته تلك، وأدى أداءً مسرحياً مفتعلاً إمعاناً في تأكيد المعاني، ثم جلس والناس كأن على رؤوسهم الطير، لم ينفعلوا أو يتفاعلوا مع معزوفته!

أدهشه الأمر واستبدّ به الفضول، فمال على أعرابي يجلس وقد قدت ملامحه من صراحة لا تعرف التملق، وسأل الأعرابي: إيه الحكاية؟ القصة دي قلتها سنة كيت وكيت، وكان الحاج فلان حاضراً، والبلد قامت على رجل وكرموني بدهب وياقوت ومرجان، واستضافوني في بث لايف على فيسبوك، أما المرة دي الناس في الصوان “أسكت.. هُس”، رسيني ع الفولة يا معلم! نظر إليه الأعرابي بخنقة وشحتفة، وهو يقول من تحت الضرس ويضغط على أواخر الكلمات: الحاج فلان كان هنا من شويه، وقال الكوبليه اللي سمعته لنا حرف حرف، ياكش تكون ارتحت وترحمنا بقى!
0

مقال
في بعض أيام سنة 1956، قال الروائي الأميركي جون شتاينبك (1902 – 1968) إنه ما من كاتب يحوز جائزة نوبل -في الأدب- إلا كفَّ عن الكتابة بعدها، خشية أن ينتج عملًا جديدًا يقال فيه: أهذا عمل يليق بحائزٍ على جائزة نوبل؟! عزَّى شتاينبك نفسه بهذه السلوى، وللسبب ذاته برر زهده في نوبل؛ فلم يرتضِ لنفسه أن تلهيه الجائزة عن الكتابة، لا سيَّما وأنه- وَفْقَ زعمه- كاتبٌ تجري الكلمات في دمه، بل إن دمه مدادٌ لكتاباته!

وجاءت سنة 1962، وفاز شتاينبك بجائزة نوبل؛ فلم يكسر القاعدة، بل أكدها -ووقع في فخ التناقض المنطقي- وإن كان من قبل قد انتقد سابقيه على الطريق ذاته! لم يكتب حرفًا واحدًا حتى وفاته بعد ست سنوات! يدخل ذلك في نطاق قولهم في الأدبيات الشعبية “عيني فيه وأقول إخِيه”، أو قولهم في الأدبيات الفصيحة “وقع في الأمر الذي كان يحاربه”، وهذا هاجس قد يعرقل المرء ويكبله، ولربما ادعى التنسّك والتقشّف ما كانت الملذات بعيدةً عن متناوله؛ فإذا اقتنصها طلَّق الزهد والتصوُّف طلاقًا بائنًا؛ فقد (أتانا بقولٍ هلهلِ النَّسجِ كاذبٍ/ ولم يأتِ بالحقِ الذي هو ناصعُ) مع الاعتذار والتحية للنابغة.

رأى البعض أن شتاينبك نال نوبل دون استحقاق، وأن سبب فوزه بها تأييده الحرب على فيتنام، بل وعمله مراسلًا حربيًا هناك، ومهاجمته الاتحاد السوفييتي. على كل حال، فقبل شتاينبك بحوالي عشرين سنة، نشرت كاترين آن بورتر (1890 – 1980) مجموعتين قصصيتين؛ “ازدهار الخيانة” و”الجواد الشاحب والفارس الشاحب”، وحازت قدرًا وافرًا من الشهرة. يومها، تحدثت إلى المقربين -بل والإعلام بمختلف صوره- عن روايتها الجديدة “ليس هناك مرفأ آمن”، وتعاقبت الأيام ولم تظهر الرواية للنور، ودخلت بورتر جزيرة الصمت عشرين سنة بتمامها، ثم خرجت منها على متن “سفينة الحمقى”.
ثمة أمور أخرى تثني الأديب أو المبدع عن متابعة دربه، وإن كنا ندور تحديدًا في فلك توقفه عن الكتابة، منها شعوره بأن مخزونه الإبداعي قد نضب
تعاقبت عشرون سنة، تناهبت المشاغل والشواغل الكاتبة من اتجاهات عدة، ظن بعضهم أنها عقمت عن حمل فكرة فضلًا عن ولادتها، وعوتبت عتاب الجواهري حتى قال حكايةً عن مسائليه: (أأنتَ تركت الشعر غير محاولٍ/ أم الشعر إذ حاولتَ غير مطاوع)، ثم نشرت على الدنيا رداء عملها الجديد؛ فوُلِدَ عملٌ اكتسى صبغة شعرها الأشيب وخبرة عِقدها السابع.عشرون عامًا من السكتة القلمية، قفلة الكاتب، حبسة الكاتب أو البيات الكتابي الشتوي، وإن شئت فاخلع عليها فترة الكمون الإبداعي، أو مدة الكف الأدبي، أو العقم الكتابي المؤقت! تختلف المسميات وتبقى الحالة واحدة، طالت أم قصرت، وقد يقرر بعض الأدباء مغادرة الميدان متذرعين بنضوب معين إبداعهم، أو خشية أن يقعوا في فخ تكرار أنفسهم واجترار ماضيهم في ميدان الورقة البيضاء.

هذا محفوظ نوبل (نجيب محفوظ)، بعد صيامٍ دام خمس سنوات، وبعدما اتجه لكتابة السيناريو -ظنًا منه أنه أديبٌ أفلت شمس كتابته- جاء عمله الأول بعد ثورة يوليو 1952، ومعه قامت الدنيا ولم تقعد. شغلت روايته “أولاد حارتنا” الأوساط الفكرية، والأدبية، والسياسية، والدينية، والاجتماعية على حدٍ سواء. انقطع محفوظ عن الكتابة خلال المدة (1952 – 1957)، وسجل اسمه في نقابة الممثلين كاتبًا محترفًا للسيناريو! في حياته انقطع محفوظ عن الكتابة خمس مرات، لكن روح الأدب نُفخت فيه من جديد، وعاد في كل مرة بقنبلة أدبية من العيار الثقيل.

في بيروت، انقطع توفيق يوسف عواد (1911 – 1989) عن الكتابة قرابة عشرين عامًا، وقد ظن أنه قدّم كل ما عنده، وترك ميدان القلم ما بين عامي (1944 – 1963)، ثم عاود الكتابة مرة أخرى، وانقطع سعد الله ونوس عن المسرح عامًا بطوله إثر وفاة زوجته، وأمسك الجواهري عن الشعر سنة بتمامها بعد وفاة زوجته أم فرات. في دمشق، صمت سعيد حورانية عن كتابة القصة القصيرة مدة، قبل أن يصمت للأبد في 6 يونيو/ حزيران 1994، ويعيش ثلاثين عامًا دون أن يمسك قلمًا، يُحيلنا ذلك إلى ما كابدته النحاتة الفرنسية، كاميل كلوديل، ولثلاثين عامًا أيضًا في مصحة عقلية؛ فانتهى صمت حورانية بوفاته، والقدر ذاته جرى على كلوديل.

الانقطاع عن الكتابة مسألة صحية، ولا يوجد كاتب أو مبدع لم يتعرض لها، إنها أشبه بفيروس الإنفلونزا، وأشبه كذلك بحالات الاكتئاب، تختلف مدة الإصابة بها من شخص إلى آخر؛ فبعضهم تمسّه نارها أو تلفحه ريحها، ومنهم من تحتويه وتُطبق على أنفاسه، ومنهم من تلازمه عقب كل عمل مدة، مثلما تصاب المرأة باكتئاب ما بعد الولادة عقب كل وضع، هنا -تحديدًا- يكون الهاجس مختلفًا، خصوصًا مع نجاح العمل السابق!

تخيل حجم الضغوط النفسية على غابريال غارسيا ماركيز (1927 – 2014)، أمضى الرجل ثمانية عشر شهرًا في كتابة “مئة عام من العزلة”، ونجحت الرواية نجاحًا ساحقًا حتى إن الطبعة الإسبانية الأولى منها نفدت في غضون أسبوع، وقالت عنها نيويورك تايمز إنها “أول عمل أدبي -بجانب سفر التكوين- يجب على البشرية كلها قراءته”. لو كنتَ مكان ماركيز لأرهقتك الأعباء النفسية وأنت تحاول أن تخط كلمة بعد هذا الإنجاز؛ فلربما يكتب الأديب عمله وهو خالي الوفاض من أعباء نفسية متداخلة، لكن نجاح عملٍ ما بقوةٍ وانتشار واسعين، يضاعف معاناته ليُخرج عملًا لا يقل روعةً وإتقانًا عن عمله السابق، إن لم يتخطه بمراحل.

التأني في النشر مطلوب، لكنه في النهاية عامل نسبي، ليس إلزامًا أن يتقيد الناس بما تعتنقه من رؤى وأفكار، ولهذا فالتأني محمود بشرط ألا يصل إلى مرحلة “تعست العجلة”. ثمة أمور أخرى تثني الأديب أو المبدع عن متابعة دربه، وإن كنا ندور تحديدًا في فلك توقفه عن الكتابة، منها شعوره بأن مخزونه الإبداعي قد نضب، رأينا ذلك عند توفيق عواد، ويحيى حقي، وهنا قد يكون السفر معينًا للفنان على تجاوز هذه العقبة، وينصح جي دي موباسان بالسفر لتجديد الأفكار، وذكر أنه جمع أفكار أقاصيصه من رحلاته شرقًا وغربًا.

للصدمات النفسية أثر في إحجام المبدع عن الكتابة، وهذا ما عايناه في حالتي ونوس والجواهري، فضلًا عن عبد الرحمن شكري، ومي زيادة، ونازك الملائكة، وكاميل كلوديل، وربما يعود الفنان لمتابعة دربه بعد أن يفيق من صدمته، أو بعدما يستوعب أن صومه لن يعيد الماضي، وفي الوقت ذاته سيجهز على موهبته، مثلما شهدنا عودة نازك الملائكة وسعد الله ونوس والجواهري، وقد لا يعود مطلقًا كما رأينا في حالة كلوديل ومي زيادة وحورانية؛ فقد أمسك حورانية عن الكتابة بعد رحيله القسري إلى موسكو، ولم يقوَ حنا مينه -الصديق الأقرب لحورانية- على إخراجه من صمته الأدبي وسكتة قلمه، تمامًا مثلما أخفق نجيب محفوظ في انتشال عادل كامل من هجران الكتابة.

يهدد بعضهم بكسر قلمه لأهداف سياسية أو لخلافات شخصية؛ فماركيز توقف عن الكتابة لأهداف سياسية، وفي 2014 أعلن يوسف زيدان توقفه عن الكتابة احتجاجًا على تعيين إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، مستشارًا لرئيس الوزراء لشؤون الثقافة والعلوم والمتاحف. هنا، نتكلم عن التوقف وليس إيقاف الكاتب أو منع نشر كتاباته، وإن كان بعض الكتاب محصَّنًا من إيقافه عن الكتابة؛ فإن ذلك إما لشعبية جارفة قد تؤلِّب الرأي العام، أو لبلوغه درجة عليا على سلم التطبيل، أو لأنه يكتب من خارج القفص.

عبيد الكتابة وغزيرو الإنتاج، لكل فريق مسوّغات، لكنه لا يسلم من ألسنة الطرف الآخر ومناوشاته؛ فغزارة الإنتاج عند بعض الأدباء رهيبة، لا سيَّما إن صاحبها ألقٌ وتميز، نجد ذلك في كتابات عبد الحميد جودة السحار، وأمير تاج السر، والروائي العراقي علي بدر. ينظر بعض أقرانهم للمسألة نظرة ريبة؛ فهذا صلاح ذهني يصف السحار بأنه “يعاني إسهالًا في الكتابة”، وقيلت الجملة بنصها وفصها في حق تاج السر، والكاتب غزير الإنتاج يغمزه بعضهم بالاندلاق على الكتابة بما ملكت يمينه من ورق وأقلام.

يتوسع عبيد الكتابة في انتقاص مناوئيهم، ويحيلون إلى أمثلة تاريخية لا حصر لها؛ فيذكرون زهير بن أبي سلمى بالإجلال، ويعظِّمون الحطيئة، ولأبي الفرج الأصفهاني عندهم تعظيم وتجلّة، إذ قضى خمسين سنةً ليتحف الأدب بمصنّفه “الأغاني”، وابن بطوطة إذ أنفق أربعةً وعشرين عامًا ليكتب “تحفة النظار في غرائب الأمصار”، وجوته وقد أمضى اثنين وستين عامًا لينتج رائعته “فاوست”، ودافنشي وقد أهدى ثماني عشرة سنة من عمره لقاء “العشاء الأخير”.

غزيرو الإنتاج لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وسيناوشون خصومهم وينعتونهم بشُح القريحة، بغض الطرف عن بواعث هذا الشح، سواء أكان موقفًا وقرارًا أم هدنة مؤقتة، وترى معارك طحن العظام بين أنصار الصمت الأدبي وبين أنصار الإنتاج الغزير، لكن الاعتبار ومحك النظر -مع الشكر لأبي حامد الغزالي- ليس حكرًا على تلاسن الفريقين، إنما تدخل فيه عوامل أكثر تعقيدًا منها تسويق الكاتب لأعماله، وشهرته المحلية والإقليمية، ناهيك بالأثر الذي يتركه في نفوس قرائه.

بالعودة للحديث عن سعيد حورانية، ثمة سؤالٌ يطل برأسه: هل نضُب معين حورانية فآثر الانزواء والصمت؟ هل احتفاء النقاد به قضى على جذوة إبداعاته في مهدها؟ وتأسيسًا على هذين السؤالين يطالعنا سؤال جديد: أيعد سعيد حورانية نسخة عربية من الفرنسية فرانسواز ساغان؟! ولماذا أخذ النقاد على يحيى حقي كتابته مقدمات كتب بعض الأدباء الشباب؟ وما تأثير ذلك في نفوس كثيرين منهم؟ على الكاتب الناشئ أن يضع إجابات تلك الأسئلة نصب عينيه، وألا يخدعه الاستعجال فيكون أدبه “الأدب الاستعجالي” المدمر؛ فيلمع اسمه سريعًا وينطفئ وهجه بسرعة مماثلة، ويُنسى كأنه لم يكن شخصًا ولا نصًا! وللحديث عن الأدب الاستعجالي وقفات تطول.
0

مقال
يربط كثيرون بين القراءة والقهوة، ربما لاتفاقهما في حرف القاف بعد (ال) التعريف، وانتهائهما بالتاء المربوطة ربطًا محكمًا! وفي عصر الصورة وثورة تكنولوجيا المعلومات، يخرج شابٌ يحمل أسفارًا، وينتقي كوفي شوب آخر شياكة؛ ليتفنن في أخذ صورة سيلفي وهو يحتسي – لا يشرب – قهوته اللذيذة، وينشر – في التو واللحظة – الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبة بتعليق منمّق: (يومي بين القراءة والقهوة.. لا حياة بلا قراءة، ولا قراءة بلا قهوة)!

في مشهدٍ ليس ببعيد، تلمح فتاة لا يغمض لها جفن، ولا يقرّ لها قرار إلا إذا أخذت لنفسها – أو أُخِذَتْ لها – صورة مع فنجان أو كوب القهوة المنعش، وبجواره يرقد كتاب مسكين، وبرومانسية حالمة تكتب: (ومن متع الدنيا على المرء أن يُرى وحيدًا إلا من قهوةٍ وكتاب)، ثم تداعب شفتها القهوة، وتهجر الكتاب إلى الموبايل والميك آب، المهم أن يرقد الكتاب في حضرة القهوة، أما غير كده… شكليات!

لو نطق الكتاب – بين أيدي هؤلاء وهؤلاء – لصرخ باكيًا مسترحمًا: لماذا ربطتم بيني وبين القهوة؟ أكلّ هذا لأني أحضر في الصور ليس إلا؟! أم ربطتم مستقبلي بالقهوة كمن ربطوا (خيار وفقوس)، ومن جمعوا بين (زفتى وميت غمر)، ومن ألفوا بين (الطيِّبة وأم رماد) وبين (دويدة وبني عباد)، و(بني اشبل وتل حوين)، و(شيبة والنكارية) إلى آخر تلك الثنائيات! ويكفكف الكتاب دمعه مستطردًا: أنا لا أوافق على هذه الصحبة، ولا أقول ذلك كراهية في القهوة؛ فهي أخت الوقت، ولا تشرب على عجل، لا مانع لديَّ، لكنما ذلك لا يشترط أن تُشرب في ضيافة كتاب؛ ليؤدي الكتاب فيه دور الكومبارس.

دخل الحضرمي سوق الوراقين، وقصد مَن في حوزته الكتاب مِن الباعة، وقال: أشتريه بدينارين؛ فصاح الدلال: أبو القاسم الحضرمي عرض دينارين؛ فمن لديه أكثر؟

وأجال الكتاب طرفه بين شباب في مقهى أدبي، ثم قال في نفسه: كثيرون من يُقحمونني في جلساتهم، وليتهم يقحموني بينهم للنقاش وإثراء الحوار، أو للمعرفة وتوسيع شرايين الخيال، لكنهم يحرصون على وجودي ليتصوروا وينشروا صورهم، ولينضموا إلى طابور مثقفين بلا ثقافة أو متثاقفين متفيهقين، ثقافتهم أفرغ من بطن الطبل. يقحمونني بينهم بصورة أكثر بشاعة من إقحامهم (هكذا) في أحاديثهم؛ فيقول أحدهم: هكذا أمور، وهكذا مناقشات، وهكذا اختراعات في اللغة إلى آخر تلك الـ “هكذا” التي لا تُسمن ولا تغني! حبذا لو فتحوا صفحاتي وقلَّبوا فيها، وما أجمل أن يتناقلوا أفكاري ولا يتثاقلوها، وأن يهتموا بالثقافة الحقيقية وألا يرضوا بالقشور؛ فما قيمة أن يحملني أحدهم ويتعب نفسه نهارًا، ثم يعود لبيته ليلًا وهو أفرغُ من قصب، دون أن يزداد من كنوزي المجانية التي بين يديه وتحت عينيه.

ثم انتفض انتفاضة عصفورٍ نال منه المطر كل منال قائلًا: أيدري هؤلاء أنني كريم؟! وأنني لا أؤمن بالمظاهر ولا تستهويني التُرهات؛ فلو قلَّب أحدهم صفحاتي وهو يشرب شوربة عدس أو لسان عصفور، لن أحجب عنه ما عندي، ولن أدير له ظهري وأتهمه بالرجعية، ولن أنظِّم وقفة احتجاجية مطالبًا باحتساء القهوة مع القراءة، لن يضيرني إن شربها على عجل، وليذهب محمود درويش حيث شاء؛ فهل يعلمون ذلك؟ ليتهم يعلمون.

وبعد صمتٍ طويل، قلت له: هوِّن عليك يا صديقي! الدنيا بخير، وليس كل من يقرأ… يشرب قهوة؛ فإننا اليوم في زمن نأكل فيه بطلوع الروح من غلاء الأسعار، وإن شاء الله قريبًا تصبح القهوة من المحرَّمات، نحرِّمها على أنفسنا لنوفر الفواتير “اللي على ودنه”، وقطع كلامي مستأنفًا فكرته: اسمع! شيئان في صدري؛ أحدهما عن القهوة والآخر عن الشباب، وأرجو أن توصلهم هذه الخاطرة علَّهم يفيقوا من سكرتهم، ويضعوا الأمور في نصابها قبل أن أموت بذبحة صدرية أو سكتة دماغية.

قلت: هات، لا تثريب عليك، وقاك الله المهالك، أنا أسمعك بكل جوارحي! ذرفت عيناه دمعًا ثخينًا واعتصره الألم وهو يواصل: قُبض أحمد شوقي – أمير الشعراء بالمناسبة إن نسيت ونسي أتباع القهوة – بعدما أخبر سكرتيره الخاص أحمد عبد الوهاب أبو العز أمرًا – ولا تسألني ما هو لأني سأقول دون أن تقاطعني – إذ أراد أن يكتب لملك اليمن خطاب شكر لإرساله أربعين زنبيلًا من البن (الزنبيل قُفَةٌ كبيرةٌ أو وعاء)، وفي الثانية صباحًا مات شوقي، لم يشكر ملك اليمن ولم يشرب القهوة؛ فلا يتوهمن أحدهم أن القهوة تحقنه بالثقافة والعلم.

الأمر الآخر في نفسي هو المظاهر المصاحبة لي، أشهد الله وأشهدك أني أمقتها، لكنني أسمع وأطيع، لا أملك حق التمرد، وقد ترى من يتعالم بغير علم، وقد أدمى قلبي ما وقع لأبي القاسم الحضرمي، وأراه يتكرر الآن بنصه وفصه! قلت: من أبو القاسم الحضرمي؟ وما خبره؟ فأجابني وهو يعضّ على شفته اللمياء أسفًا: إنه عالم من علماء القرن الخامس الهجري، وقد كلَّف الوراقين (أصحاب المكتبات، مثل سور الأزبكية أو الفجالة في مصر، وشارع المتنبي في العراق، أو معارض الكتاب في دول العالم) أن يخبروه إن وقع تحت أيديهم كتابٌ يطلبه منذ زمن. في بعض الأيام، جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى، وهنأه بالعثور على طِلبته، وسأله – على طريقة القابلات قديمًا وبعض الممرضات اليوم – أن يُتحفه بالبُشرى من دراهم معدودات؛ فسُرَّ الحضرمي وأكرمه ثم خرج ليظفر ببغيته.
أرجوك أن تخبر شباب الفيسبوك وتويتر وفتيات سناب شاب وإنستغرام وتيك-توك والفاشونستات أن ربط الثقافة بالقهوة أمر غير مفهوم ولا مُبرَّر، ولا يختلف عن ربط الأرنب بالحشرات
دخل الحضرمي سوق الوراقين، وقصد مَن في حوزته الكتاب مِن الباعة، وقال: أشتريه بدينارين؛ فصاح الدلال: أبو القاسم الحضرمي عرض دينارين؛ فمن لديه أكثر؟ قال بعضهم دون كبير اهتمام: ثلاثة! وقال آخرون: أربعة! وأبو القاسم أشبه بأحمد شوقي سريع الملل؛ فقال: عليَّ بعشرة! رفع السقف و”أفوّر بزيادة” ليتخلص من الموقف “في الكويكلي”. لكن شابًا ظهر من لا مكان، ونظر إلى المجلد وقلَّبه في يده، ثم قال: عليَّ بعشرين؛ فغضب أبو القاسم ووصلت المزايدة بينهما إلى خمسين دينارًا!

تضاءل أبو القاسم وخشع أمام جبروت المال؛ فمن أين له بخمسين دينارًا، وهو عالم يطلب العلم ولا يجمع المال، وبصوت متخاشع مستكين، خاطب الشاب: إنك قد بالغت مبالغةً مسرفة حين عرضت الخمسين، وما كان هذا المجلد ليزيد عن خمسة على الأكثر؛ فما سبب رغبتك فيه؟! (حينها قرصني الكتاب في جنبي وغمزني، ثم لكزني متحسرًا يؤنبني: واسمع يا صديقي لتعلم حجم الكارثة)، وأجاب الشاب سؤال الحضرمي: لستُ ممن يقرؤون الكتب، ولكني هيَّأتُ خِزانةً علميةً أدبيةً للمباهاة (هذا جذر البلاء وأساس المصائب؛ المباهاة والاستعراض الأجوف والـ Show)، وقد صرفت عليها كثيرًا مما أملك، وأعيانُ البلدة يؤمُّونها، ويطالعون ما بها؛ فأشعر بالفخر والإعجاب، وقد تأمَّلتُ الكتابَ؛ فوجدتُه حسنَ الورقِ والخطِّ والتجليد، فعاهدتُ نفسي ألا يخرج من قبضتي، وألا يفلتَ من خِزانتي، والحمد لله على ما أنعم؛ فإن الرزق كثير.

أتدري ما صنع الحضرمي يا صديقي؟ قلت: لا والله! وشكرًا لوصفك إياي بصديقك؛ فأشاح عني بوجهه وهو يضيف: سقطت روح الحضرمي بين قدميه بعدما أُسقِط في يديه، وتمتم بكلامٍ لا يُكتب وتحاسب عليه الرقابة، ثم أبان وأعرب وقال للشاب في يأس وضيق: نعم! الرزق عندك كثير، و”يعطي اللهُ الجوزَ لمن لا أسنانَ له”.

هذا حال كثيرين من شباب اليوم، ولا أقول الجميع فلولا القليل ما كان لي قيمة، ولولا القليل ما سمعتني الآن، ولولا القليل ما قرأ الناس لك ولغيرك، وقبل أن تستدرك عليَّ قولَ الحضرمي (ويعطي اللهُ الجوزَ لمن لا أسنانَ له)؛ فإني أقول: قالها الحضرمي لحظة غضب، والغضبُ مسٌّ من الجنون، وقد يخرج المرء عن طوره، ولم يقصد الحضرمي – بالطبع – القدحَ في حكمة الله، ولعلَّها خرجت منه مخرج الغالب، واذكر قول الرجل بحسن نية وسهو “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”، وكيف فسَّرها النبي الكريم بقوله المبين “أخطأ من شدة الفرح”؛ فالحضرمي أخطأ من فرط الفاجعة. أرأيت – يا صديقي – حال الناس معي؟ وكيف يعاملونني؟ والله لو شرب أحدهم القهوة أو شوربة عدس أو (مِشْ بدوده)؛ فلن أتوارى عنه وأمنعه الاستفادة.

واغرورقت عيناه بالدمع وهو يكمل: مللتُ يا رجل، قهوة وكتاب! أخشى أن أموت وفي نفسي شيء من القهوة، مثلما مات أبو زكريا الفرّاء وفي نفسه شيء من حتَّى، وإخالني سأصاب قريبًا “بفوبيا القهوة”؛ فقد بدأت أستشعر الحرج إذا جلست إلى جوارها، إذ يتلذذ بها أصحابها ويكتفون بالنظر إلى غلافي، وقلما يجبر أحدهم خاطري ويطالع ولو فهرس محتوياتي! يظن كثيرون منهم أن الغلاف يُبِينُ عمَّا في باطني، ويلوك أحدهم لسانه ويرفع عقيرته بجملة رخيصة مستهلكة رثَّة “الكتاب بيبان من عنوانه”، ولو كان ذلك كذلك لما غيَّرت الكُتُب مسار التاريخ.

أرجوك أن تخبر شباب الفيسبوك وتويتر وفتيات سناب شاب وإنستغرام وتيك-توك والفاشونستات أن ربط الثقافة بالقهوة أمر غير مفهوم ولا مُبرَّر، ولا يختلف عن ربط الأرنب بالحشرات، وأبلغهم عني حتى ينقطع النفس: (القراءة للثقافة تختلف كمًّا ونوعًا عن القراءة للاستعراض على مواقع التواصل، ولا تضعوني والقهوة في سلة واحدة، ومن ذاق حلاوة القراءة هانت عليه كل تبِعة، حتَّى وإن كانت في شرب الشاي الأخضر أو البابونج/ الكاموميل واليانسون والكراوية بدلًا من القهوة).
0

مقال
أشفقت على شاب صغير كتب لإحدى مدربات مهارات التواصل يسأل عن الصفات التي تحبها النساء في الرجل ليصبح في نظرهن “رجلا جيدا”، على حد تعبيره. وبدا لي محرجا ومتلعثما، حتى أنه صدّر سؤاله المقتضب بعبارة: معلش سؤال أهبل..!

وأخذت أفكر في ما دفعه لإعلان قصور فهمه للجنس الآخر هكذا على الملأ، بل وفي ساحة ترتادها النساء الراشدات ذوات الخبرة الأطول في الحياة غالبا. وبدا لي سؤاله صادقا وعفويا للدرجة التي لا تضعه في خانة المساكين الساعين للإعجاب من النساء في عمومهن كهدف في حد ذاته. إذ لو كان هذا مرامه لذهب بسؤاله سرا لدونجوان ممن يتفاخرون بالضيق من كثرة المعجبات. ورجحت أنه يتمنى لو دلته إحداهن على مفاتيح قلب من يحب لكي تلتفت له وتبادله الشعور.

وبصراحة لم يفاجئني ما انبرت في سرده غالبية التعليقات النسائية من أوصاف الرجل الصالح الذي تقدره المرأة، وكيف أصبح الموضوع أقرب لمسابقة في تعداد فضائل الأجاويد الكرام وشمائل الغُر الميامين، بل وصفات رجال الجنة! وضحكت وأنا أقرأ لإحداهن وهي تجيبه بكل ثقة: “تحب المرأة كل الصفات والقيم البشرية الحسنة”.. يا لها من إجابة معجزة! تخيلت معها حيرة الشاب الغض وهو يحدث نفسه: يا لتلك المخلوقات العجيبة! كيف لا تعجبهن الصفات السيئة والقيم المنحطة؟!!
وأظنني رأيت وسمعت من قصص وأحوال المحبة بين البشر ومن عجائبيتها وانتفاء الشروط الضامنة لها، ما يجعلني أظن أن القاعدة الوحيدة الممكنة لفهم الحب هي استحالة وضع قاعدة لفهمه!


وهممت للحظة أن أتلبس قناع الحكمة والحنكة وأشارك بإطلاعه على بعض ما يعجب المرأة في الرجل، لولا أن أخذتني الشفقة عليه أكثر، وراجعت نفسي بأن ما سأكتبه له سيكون ذائقتي الخاصة التي قد لا تشاركني فيها الأخريات. فلو أخبرته بأن الروح المرحة المتخففة تروقني، فسيعرف من غيري أن الجدية و”التقل” والصرامة والغموض بل وربما العبوس والاقتضاب هي شيم الرجل الجذاب في نظرهن. ولو قلت إن ظاهرة الإعجاب بالفتى الشرير أو “الباد بوي” الذي يسيء معاملة المرأة، ويقسو عليها، ويظهر عدم الاكتراث بها، ويعرف الكثيرات في وقت واحد، والتي تغرم بها الصغيرات على ما أسمع، هي في منطقي مرض نفسي يستحق مراجعة الطبيب، لظهرتُ في صورة من يميلون للتسامي وإظهار المثالية ولكرهتني الصغيرات! ولو صرحت بأن إظهار درجات من الضعف والتردد والمراجعة وتحييد الإيجو هي لمحات إنسانية تدل على الصدق، وهي مقدّرة جدا عندي بالذات لدى الرجال، لتهكمت عليّ الكثيرات ووصفت أصحابها بأشباه الرجال. ولو حاولت أن أصف له مقدار الرقة واللطف التي تلفتني في الرجل فلا تميل به لكفة الميوعة، لكنها ترتقي بروحه بعيدا عن القسوة والتبلد، لفشلت.

ولو أخبرته بأنني أضع مقياسا لـ”جودة الرجل”، لو كان لمثل هذا التعبير أن يستخدم، بمقدار تصدقه بالمال والجهد ورفقه بالضعفاء لا بقدر رقته مع النساء، لجادلتني فيها عشرات النساء معلنات أنهن أولى الضعفاء بالبر والرفق.. ولألجمن منطقي بسؤال: ألسنا نحن القوارير يا هانم؟! وفي ذلك بعض الحق على أي حال.

وعليه، فلم أشارك في ذبذبة المسكين وزيادة حيرته، فقد جادت بذلك أكثر من مئة وخمسين سيدة، فله الله!

وأظنني رأيت وسمعت من قصص وأحوال المحبة بين البشر ومن عجائبيتها وانتفاء الشروط الضامنة لها، ما يجعلني أظن أن القاعدة الوحيدة الممكنة لفهم الحب هي استحالة وضع قاعدة لفهمه! لكنني على ذلك لم أستدعِ من حكاياتي الواقعية شيئا ساعتها، ووجدتني أتذكر قصة بديعة بعنوان “أنشودة المقهى الحزين” للأميركية كارسن مكلرز، تسهب فيها في وصف شخصية نسائية غريبة الأطوار ومليئة بالتناقضات.

إميليا، سيدة عزباء مسترجلة حادة الطباع، لا يصفها أي ذوق كان بالجمال. تداوي أهالي قريتها بالطب الشعبي ولا تظهر في نشاطها ذاك، على التزامها وحرصها على أدائه، الحنو والرقة المتوقعة. بل لا يجد منها الجميع غير الفظاظة والتحفظ وعدم الاكتراث. وهي تمتلك عن أبيها مقهى صغيرا تسكن طابقه العلوي ولا ترضى بإعادة فتحه للزبائن لسنوات طويلة. وكانت تزوجت في الماضي من رجل قوي البنية حسن الطلعة لكنه صاخب ومشاكس، أحبها وخطب ودها لسنين طويلة لكنه لم يفلح في فض مغاليق روحها، فانفصلا بسر غامض ومرارة كبيرة، واختفى وتوقفت عن ذكره أو تذكره وكأنه لم يكن.

ولم تشرق هذه المرأة وتبدل بعض صلفها وجفافها وضيقها بالناس إلا بظهور قزم أحدب قبيح يتكسب بعمل المهرجين وإضحاك الرجال ويدّعي قرابته لها، ويُظهر للجميع دهاءً ومراوغةً يستحقان التحرز. إلا أن المتحفظة الباردة تفتح له قلبها ومقهاها بعد إغلاق سنين ليقيم ويلهو ويعمل. وتأتنس بوجوده المريب، وتغير له بعض عاداتها التي لم تكن لتتزحزح عنها لمخلوق. ثم يظهر زوجها السابق فجأة ويبدأ في ارتياد المقهى واستفزازها لأي سبب. ونجد القزم الذي أحبته يعاون طليقها في ذلك ويصطف معه ضدها بالرغم مما تبديه له من تعاطف يرقى لدرجة الوله المكتوم. بل ونعرف أن القزم يرافق طليقها راغبا فيه! وفيما تتعقد علاقة الحب المثلثة العجيبة تلك وتتوالى الأحداث، يندهش القارئ أن تستمر إميليا في الحنو على القزم الوغد وتلقيه برفق وتفهم العاشقة التي وهبت قلبها بلا حساب. وتظل على عهدها هذا به حتى بعد أن يغادر برفقة طليقها العنيف شامتا بها غير عابئ بحبها البادي له، وبما فعلته لأجله دون كل من عرفت من البشر.

ولنسلم بأنها رواية، وبأنه نموذج صادم ومتطرف ربما، لكنه حقيقي ودال. وأعرف أن الحكم الدارج على مثل هذه الحكاية سيكون بأنها أضغاث خيال ولا مجال لمثلها في الواقع. أو أن الشخصيات مرضى وشواذ ولا يصح القياس على مشاعرهم وميولهم. وهي فرضية تضع القارئ ضمن الأسوياء والأصحاء والمثاليين والحكماء والمتحكمين في أنفسهم ومشاعرهم وخواطرهم على طول الخط، ويا لها طبعا من فرضية رائعة!

لكنني لا أظنها فرضية تثبت لو راجع الواحد منا نفسه بصدق في منطقية ومثالية ما أحبه وتمناه في هذه الحياة.. بغض النظر عن طبيعته وحكمته وثباته ومثاليته في كل شيء آخر.

وأفكر في ما لو كان لي أن أرى السائل الشاب، فأتمثل الحكمة المقطرة، وأنظر له من خلف النظارة التي لم أضعها في عمري بعد، لكنها ستزيد مظهر الحنكة والخبرة بالتأكيد، لأقول له إن الحب أثمن أرزاق الدنيا. وهو ككل الأرزاق يأتي بلا طلب ولا جهد ولا تحر. فلا تقلق بشأن نزوله وبشأن أسبابه. فهذا مما لا حيلة لمخلوق فيه مهما سعى. لكنه في نزوله وتدفقه ابتلاء كالابتلاء بسائر الأرزاق، فإما شاكرٌ وإما كفور. فلتكن يا عزيزي عند نزوله عبدا شكورا، وعند انقطاعه عبدا صبورا.

ثم أتذكر صيغة سؤاله وأبتسم مجددا وأتمتم: عموما.. هو سؤال أهبل فعلا!
0