Your address will show here +12 34 56 78
مقال
لكل شيء إذا ما تمّ نقصان. لنعلم أنّ الأمر كله يقف على قناعة الإنسان. لا تقاس الأمور بالنجاح أو الخسران. ليست بالجمال ولا بالوسامة، ليست بالعصرية والحضرية والانفتاح، الأمر كله يتوقف على الأسلوب اللطيف، على الابتسامة الدافئة، على نقاء الروح، طيبة القلب ولين اللسان. لا تنسَ في نهاية المطاف أنك إنسان، ولتعلم في هذه الدنيا أنك كما تُدين تُدان.

هذّب روحك وارضَ بما آتاك الرحمن. اخفض جناح الرحمة لغيرك، وانظر كيف تكافئك الأزمان. علم نفسك الصبر إذا ما اشتدت عليك الأيام. إن التراكمات تصنع من ظلك وحشاً إذا ما تمكنت منك. لا تترك نفسك للأوهام.

دائماً ما أعتقد أن المحبة كالدرع، تقي النفس من الخذلان، ومقتنعة تماماً بأن عاداتك ليست فرضاً على الآخرين، وأن لكل شخص عاداته الخاصة، ولا يمكنك إرغام أحد على اعتناقك، فالمحبة والقبول كالأديان! يعتقد البعض أن الصراخ وسيلة القوي، وأن السكوت ملجأ الضعيف، ولكن هذا المبدأ كمن شهد على الحقيقة بالزور والبهتان!
لماذا تضع نفسك في مواقف أنت متأكد منذ البداية أنك لن تكون أحد الأطراف فيها، ألا تعلم أن من يضيع كل شيء ليسو أحد الأطراف، ولكن يضيعها المتفرجون!
في كثير من الأحيان نفعل أموراً لا نعلم هل هي الصواب أم الخطأ، ولكن كإنسان لا يهمك سوى الوصول إما إلى المخرج أو إلى طريق مسدود، وفي أغلب الأحيان نفعل ذلك ونحن موقنون أن النهاية ستكون جداراً مصفحاً سنرتطم به، وستتحطم أرواحنا إلى قطع صغيرة، ولكن مع الأسف نركض إلى الحطام كحصان أهوج يقترب من أحد الحواجز، موقناً أنه لن يتمكن من اجتيازه، وأن سقوطه سيكون مدويّاً، ولكنه يخاف الانسحاب، ليس لأنه شجاع، ولكن لأنه جبان! يخاف اللوم والمعايرة والانتقاد، ولو على حساب حياته.

لماذا لا نتعلم مبدأ أنا أفعل ما يناسبني، وأنت تفعل ما يناسبك. لم آتِ إلى هذه الدنيا لأحقق توقعاتك، ولم تأتِ إلى الدنيا لتحقق توقعاتي. هل هذا ما نؤول إليه جميعاً، يا ترى؟! هل كلنا أصبحنا ذلك الحصان الأهوج؟!

دائماً أقول: خسارة البدايات أفضل من خسارة النهايات. ليس مهماً ما يراه الآخرون، المهم ما الذي تراه أنت، ماذا يناسبك، ماذا تحب. نحن لسنا منزَلين، ولسنا كاملين. فلنتذكر دائماً: لكل شيء إذا ما تمّ نقصان.

يقال إذا لم ترد أن يغيروك، فحاول أن تغيّرهم، أصلح تلك القناديل المطفأة وأزل الحجارة كي لا تتعثر بها خطواتك إليك! أجل، نحن لا نسعى إلّا إلينا، نحن من نستحق الزحف.. لذواتنا فقط. إذا تطلب الأمر، فاختر ذاتك في النهاية، ليس عيباً، ليس خطأً، الأنانية قد تكون جيدة أحياناً!

في حياة كل منا أماكن ليس مسموحاً فيها الاقتراب، تكون هذه المنطقة منطقة أمان، منطقة راحة من أعباء الحياة، يوجد فيها كرسي الاعتراف، ليس لجلد أنفسنا، ولكن لتقييمهما، لتوجيهها، لمساندتها، لإعادة النظر في كل أمر تفعله.

يمكن التغاضي عن بعض الأمور، ولكن لنعلم أن الأمور المتوسطة والصغيرة، والصغيرة جداً سيأتي يوم وتتحول إلى أمور كبيرة، فلنعوّد أنفسنا مواجهةَ صغار الأمور قبل كبارها، فهذا يجعلنا أكثر دقة وحكمة.

السعادة لا تشترى بالمال، السعادة في راحة البال، في طمأنينة نفسك وسكون روحك وقناعة ذاتك. جميعنا نعرف كيف نكون أفضل مما نحن عليه، ولكن في مرات كثيرة نملّ ونتعب، نحتاج الهدوء والابتعاد، نقاوم أي نصيحة أو انتقاد، ليس انتقاصاً من قيمة الأمر، ولكن نحتاج لعقل فارغ دون أفكار، لا نريد المزيد لأننا مرهقون من القيل والقال.

يأتي على الإنسان حين تضيق به المدن رغم اتساعها، يريد الهروب من كل مكان، من المقاعد القديمة، والبيوت، من الذكريات الأليمة، لا يريد سماع الأسماء، لا يرغب في إلقاء نظرة على أغلفة الكتب، قلبه يضيق، يصرخ، يقول له: استفق، إنني أشعر بالضيق.. ويعاتبه! أأنت راضٍ الآن؟ ألم تكن صاحب القرار في هذا الطريق؟ لماذا تضع نفسك في مواقف أنت متأكد منذ البداية أنك لن تكون أحد الأطراف فيها، ألا تعلم أن من يضيع كل شيء ليسوا أحد الأطراف، ولكن يضيعها المتفرجون!

نعم هم أولئك الذين فقدوا الأمل، الذين أرهقهم السعي للا شيء، الخائفون من عتمة أعماقهم ومن مستقبلهم المجهول، هم من كانوا الأكثر حماسةً، والأكثر تفاؤلاً بالتغيير والوصول، أما الآن فاختاروا الراحة وتركوا القلق.

ما يبقيهم صامدين، إيمانهم! أجل، هو ما يجعلهم مستمرين وعلى قيد الحياة. حاول دائماً الاقتراب من الكبار، أصحاب النفس الطويل، من صبرهم صبر الجبال، السير إلى جانبهم يمهد لك الطريق، واهجر أولئك الذين آمنت بهم وكفروا بك، وخسفوا بك الأرض فوجدت نفسك بسببهم تسقط في كل عمق سحيق، ليس كل من ابتسم في وجهك صديق.

لا تسعَ للكمال، يجب عليك تعلُّم عدم المقارنة، عدم اللا مبالاة، عدم التدخل، عدم الثقة، عدم الضغط، عدم طلب الأمور. عوِّد نفسك عدمَ التعلق بأيّ أمر أو أيّ شيء أو شخص، لا شيء للأبد إلّاك. أمسك بيدك، وتعلم كيف تسير وحدك، وتعلم التصفيق بيد واحدة!
0

مقال
أصبحنا نشهد ثورة كبيرة لصفحات الموت البطيء، أو ما يسمى بالصفحات التي تحمل مشاعرك وتعبر عما بداخلك، ولكن هل حقاً بعض كلمات مسروقة من موقع ما قد تعبر عن ما يجول في نفسك، هل أصبحنا بهذه السذاجة؟

عند تصفحك، لصفحتك على فيسبوك مثلاً، وأنت تقلب فيها وإذ بمنشور يقول: “أنت مليء بالحزن، داخلك يحترق، لقد خانتك الحياة وخانك فلان، خسرت نفسك وأنت تحاول الحفاظ على من لم يتشبثوا بك”.. مع العلم أنك تكون قبلها في مزاج رائع أنهيت عشاءك للتو، وحدثت عائلتك عن يومك العظيم وإنجازك الفذ، ولكن بضع كلمات لا تدري فعلياً من قام بكتابتها قلبت كيانك رأسا على عقب!

لماذا؟ هل نفوسنا حقا تأبى السعادة؟ هل حقاً نحن نشعر بالنشوة من خلال تعذيب ذواتنا بأمور لا صلة لها بالواقع؟ ما السبب الذي يدعونا لتصديق صفحات فارغة المحتوى قد يكون مجرد الإعجاب بها سبباً في شهرتها وانتشارها ووصولها إلى آلاف الأشخاص الذين من المحتمل أنهم فاقدو الأمل ونحن زدنا الطين بلة بكبسة زر واحدة!
الحياة امتحان يحتوي على الأسئلة الصعبة، وسؤال سهل لا يحتاج للتفكير. في كل شخص منا شيء جيد، يمكن أن يكون مخبأ، ويمكن أن يكون ظاهراً، لكن لنعلم أننا مهما حاولنا إخفاء شيء ما ففي النهاية سوف يظهر..
مثل هذه الصفحات تحاول توسيع الفجوة بين الواقع والخيال، وجعل الإنسان أكثر سخطا على ما لم يستطع الوصول إليه، ما يجعل نفسه أكثر تطلباً وإلحاحا على ما هو غير موجود وغير ممكن.. بضع كلمات غير ذات معنى قد تكون سبباً في خسارتك لكل شيء وذاتك بالدرجة الأولى.. إن مجرد مقاطعة مثل هذه الصفحات تعد الخطوة الأولى للتمعن بما لدينا والرضى بما نملك.

هذا الموضوع لا يقتصر على صفحات الحزن فقط، ولا على الصفحات الكارثية حقيقة على المجتمع لمن يسمون أنفسهم المؤثرين الاجتماعيين، فهم يسعون بمثاليتهم المصطنعة إلى جعل متابعيهم مجانين بهذه الحياة التي ليست لها صلة بالواقع، وقد يتوجه الكثيرون من متابعيهم إلى اتباع أساليب مجنونة من خلال التقليد الأعمى لما يشاهدونه.

ولكن لنعلم أننا لسنا أقل شأنا من أولئك الذين نتابعهم، وأن كل شخص منا لديه ما يميزه عن غيره تمامًا، شيء هو يفعله بإتقان، بحُب، بشغف.. شيء مميز، يستحيل أن يتشاركه أحد معه، يتفرد هو فقط بإبداعه..

يجب أن نقتنع بأن حياتنا ليست وردية، وأنه مثلما فيها يوم سيئ، يوجد فيها يوم واحد على الأقل جيد، الحياة امتحان يحتوي على الأسئلة الصعبة، وسؤال سهل لا يحتاج للتفكير، في كل شخص منا شيء جيد، يمكن أن يكون مخبأ، ويمكن أن يكون ظاهراً، لكن لنعلم أننا مهما حاولنا إخفاء شيء ما في النهاية سوف يظهر.. لذلك لنجعل مكنوناتنا الداخلية عند ظهورها تعبر عن قيمتنا الحقيقية.

لا تأخذوا الجانب المريح من الأمور، وتصدروا أحكامكم عليها. أي لا تجعلوا ما تراه أعينكم على مواقع التواصل الاجتماعي تخدعكم، إنها محض منصات للتنظير وادعاء المثاليات، من أولئك المرتاحين الذين لا أحمال ولا ضغوط عليهم، كونوا على يقين بأنه لا توجد مثاليات في الحياة.. هم ليسوا رائعين، يأكلون ويشربون وينامون ولكن بطرق مبتذلة، هم بشر مثلنا إن لم يكونوا أقل، ولكن العين تسحر دائما باللمعان الأخاذ للأشياء..

راقبوا أولئك المدعين وقت الغضب، وقت الاختبارات الربانية، لا تحكموا بفوقية أو بُعد نظر، الأولى مختزلة ولا تعطي غير الشيء الذي على الوجه، والثانية قاصرة وغير واضحة. راقبوهم عن قرب، وبقرب شديد، لتفهموا أنكم تعيشون بشكل رائع!

في الحياة، لا بد من قواسم مشتركة لنبدأ بالمقارنة، وإلا فإنها تصبح مقارنة غير متكافئة فعليا، فتكون أي شيء آخر غير ذي معنى. ولكي تستطيع مواجهة ذاتك المتطلبة يجب أولاً أن تتعلم تقدير ما لديك، وثانيا لا تسمح لشيء بالتقليل منك أبدا، ولا بأي حال من الأحوال، والأهم من كل هذا، يجب عليك أن تتعايش مع واقعك، واقتنع بأن التجارب التي حاولت فيها وفشلت صنعتك، وأثرت فيك أكثر من التي نجحت فيها، تصالح مع أخطائك وتعلم منها بدل أن تلعنها..
0

مقال
ثمة حقيقة قائمة في الطبيعة وكذلك في الحياة نفسها ألا وهي النزاع أو الصراع أو التناقض، فالتناقض تجده بين الوجود والعدم، بين الحياة والموت، بين المطلق والنسبي، فكما أن الصراع قائم بين الماء والصحراء والضوء والعتمة تجده أيضاً بين الأفراد أنفسهم والمجتمعات والأنظمة والدول.

نقلت إلينا الكتب نزاع قابيل وهابيل، أي بين الإنسان الصيّاد والإنسان المزارع، بين من يجمع الغذاء من جهة ومن ينتج الغذاء من جهة أخرى، فإن قابيل وإن قتل هابيل إلا أن أحفاد هابيل وذريته كانت فيما بعد لهم الغلبة، لذا قامت المجتمعات الأولى على ضفاف الأنهر كوادي النيل وبلاد ما بين النهرين وضفاف نهر السند، ففي الوقت الذي بدأت المجتمعات الأولى على أحواض الأنهر راحت المجتمعات التي تقتات من الصيد تنقرض نحو الزوال.

فالمجتمع هو حضارة وتاريخ ولغة وأرض ومصالح اقتصادية يتميز بها أي شعب كان عن سائر الشعوب الأخرى، والأرض والمصالح لها حدود ومقومات وركائز، إلا أن الحدود والمصالح المشتركة ظلّت على الدوام عُرضة للتنازع تبعاً لموازين القوى..

فمصر القديمة كانت عليها حماية حدودها الجنوبية من النوبيين وحدودها الشمالية من الحثيين، وبلاد الإغريق كان عليها خوض حروب دامية بمواجهة الفرس وكذلك أيضاً كان الصراع بين روما وقرطاج.

إلا أن الحروب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فقد شهد العالم القديم أولى معاهدة سلام بين مصر الفرعونية والإمبراطورية الحثية في القرن الثالث عشر ق.م، وهكذا تم حل النزاع بالطرق السلمية والمفاوضات.

وإن استطاعت روما محو قرطاجة عن وجه الأرض فإنها هي نفسها اضطرت لمفاوضة البرابرة لوضع حد لغزواتهم عبر نهر الدانوب، وقبل ذلك بقرون عمد الإسكندر الكبير لمحاولة إيجاد عالم بدون حروب من خلال دمج الإغريق بالفرس، وفي الغرب بعد مائة سنة من الحروب بين فرنسا وبريطانيا اضطر البَلدان لعقد سلام بينها.

إن الحروب الدامية التي خاضها نابليون بونابرت هي التي أوصلت أوروبا إلى الاتحاد بين حربين عالميتين (1914 -1918) (1935-1945) اللتين أهلكتا حوالي مائة مليون من البشر، فقد حفظت البشرية درساً مريراً من جراء الحروب، فلا بد بالتالي من حل النزاع بين الدول بالطرق السلمية، والحق أننا نعيش في عالم مشبَع بأسلحة الدمار الشامل، فالنادي النووي يضم سبع دول تملك قنابل ذريّة ودولة غير معلنة هي إسرائيل”.

لقد كان لافتاً ومعبراً أن الكونغرس الأميركي وقد راعه ما جرى في اليابان في هيروشيما وناغازاكي عام (1945) أن استدعى العالم “أوبنهايمر” لاستيضاحه حول إمكانية إيجاد سلاح وقائي من مخاطر الحرب النووية أن تصيب أميركا، فأجاب: “نعم هناك سلاح وقائي واحد ألا وهو السلام”!
0

مقال
هل شعرت يوماً ما بأنك انجذبت لشخص لمجرد أنك رأيته مرة واحدة؟ هل جلست يوماً مع أحد الأشخاص لأول مرة وشعرت بأنك تعرفه منذ زمن؟ هل رأيته بموقف وأحسست أن روحيكما تعلقتا بشعور غريب؟

‏فالأرواح لها قدرة على التخاطر وإدراك خبايا الأنفس وأثرها عميق بعمق تجاذب تلك الأرواح، فالقلب الطيب من الناس يحنّ إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره ومن يشاكله، كل إنسان له شبيه روحي يتناسب معه، فكما أن هناك من يحبك بلا سبب، فإن هناك أيضاً من يكرهك بلا سبب.

قد تُعجب روحك بروح إنسان آخر تحس بمشاعر لا تعرف لها تفسيراً ولا تجد لها أثراً، فقط سوف ترتسم على جبينك ابتسامة تعجّب وتحس بشعور يمازج قلبك وفرح يداعب وجدانك وقد تستغرب أن جمع الله بينكما بموقف عجيب وغريب، هذه المواقف تجعل الإنسان يتأمل ويتفكر:

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة

“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف”، الحديث يشير إلى مسألة تآلف الأرواح التي تشابهت في الطباع والمزاج أو التركيب النفسي عكس تلك الأرواح المختلفة في الطباع والأمزجة أو التركيبات النفسية المعقدة. إن تجاذب الأرواح من أسمى وأرقى العلاقات الإنسانية، لأن الوجوه والأشكال تتكرر، أما الأرواح فلا تتكرر، فعالم الأرواح يتعدى الشكليات والماديات حيث التجانس في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية يورث تجاذب الأرواح، وهذا ما يسمى بالتخاطر العاطفي أو تجاذب الأرواح.

أرواح التقت واتفقت واشتاقت، يجمعها تجانس عجيب يساق بعضها إلى بعض، ويقول جبران خليل جبران: “ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تأتي بالمعاشرة الطويلة، ‏إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي”.

غالباً عندما تحب روحاً عابرة فتلك الروح تحب ما بداخلك، وهذا هو مبدأ تجانس الأرواح، مما يعني تدفق الحب بسهولة وانعقاده بلا تكلف أو مقدمات، إن التوافق بين إنسان وآخر لا يكون بسبب توافق عمري ولا جنسي ولا لوني أو بطول العشرة ولا بالرفقة المستمرة، ولكنه سر من أسرار التوافق الروحي،‏ واتحاد الأرواح في المفهوم الطاقي وتجاذبها هو توافق وتشابه في الهالات والذبذبة العالية والمرتفعة، فعندما يتناغم الفكر وتتعانق الأرواح ‏تتحطم أمامها كل المفاهيم المادية ليخلق توافق روحاني حيث تأخذنا الأقدار لنتقابل مع أرواح ‏تتجانس معنا، نحس بما يحسون ونستشعر ما يستشعرون وكأن هناك رابطا بين أحاسيسنا، والطبيعة شاهدة من حولنا على التوافق والتنافر، ففي الكيمياء هناك أيونات تتفاعل وتتجاذب، وفي الفيزياء عناصر تتآلف وتتنافر، وتجاذب الأرواح أقوى أنواع التجاذب، لأنها الأصدق إحساساً والأكثر عمقاً.

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة.

وفي علم النفس، سبب عدم قدرتك على إخراج شخص ‏من تفكيرك هو أن الشخص ذاته يفكر بك، إنه ‏تجانس الأرواح، والتشابه الأخلاقي يولد تجاذبا في الأرواح، ف‏روحه تحمل نفس المشاعر ‏ونفس الأفكار. ‏نذهل أحياناً عندما نجد إنسانا يشبهنا ليس بالمظهر ولكن في الروح، وهنا قد نتساءل: كيف يقع الحب؟

إن الحب الذي نتحدث عنه بين شخصين إنما هو أشبه بطاقة كامنة موجودة من قبل ويتم تأجيل المشاعر إلى حين وصول اللحظة المادية التي تجمع الروحين بلقاء حاسم فيتحقق تلاقي الأرواح و‏تناغم الفكر وتجانس النبض ولذة النظر، من هنا يمكن القول بأن علاقات الحب الناجحة المستمرة سببها تآلف الأرواح والعكس صحيح، ولعل هذه الظاهرة غريزة فطرية بعيدة عن الحواس الطبيعية الخمس.

في حياتنا أشخاص يعنون لنا الكثير والكثير مع أننا لم نخالطهم إلا فترة وجيزة وعليه لا يكون هذا التعلق ذنبا لأن تجاذب الأرواح أمر لا إرادي فالأرواح جنود مجندة، نحن لا نحب حين نختار ولا نختار حين نحب، إننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت.
0

مقال
أثارت كل تلك الضوضاء حول مسألة التحرّش الجنسي التي تشغل بال العالم اليوم، تساؤلات عديدة في رأسها. أرادت أن تبعد تلك الشهب السوداء التي راحت تجتاح مخيلتها. وسعت إلى التفكير خارج الصندوق، والبحث عن الهدف وراء كل هذه الجلبة التي طاولت شخصيات كبيرة بعد أن كانت تقتصر فقط على إرسال أشخاص مهمّشين إلى السجن وتتغاضى عن أصحاب المراكز. 

كل من حولها كان يعبّر عن اشمئزازه من هؤلاء الرجال الذين لم ترحمهم وسائل الإعلام ولا عامّة البشر. لم يكترث أحد بالألم الذي قد يطاول أطفالهم وأهلهم والمعاناة التي قد تدفعهم إلى الانتحار، كما حدث مع أحد النواب البريطانيين منذ فترة ولم يفكّر أحد ولو للحظة بمدى صحّة هذه الادعاءات.

لطالما اعتقدت أنّ الاعتداء الجنسي، لا يكون مقابل الوصول إلى النجومية أو الخوف على خسارة الوظيفة، وكانت ترى أنّ الرضوخ لهذا النوع من الاستغلال، يبدو خياراً أكثر ممّا هو أمر لا مفرّ منه. كان الاغتصاب بنظرها، الاستسلام تحت حدّ السيف، أي الروح مقابل الجسد، أو استغلال امرأة مقابل توفير لقمة عيش لأطفالها الجياع. 

أمّا عن تلك اللمسات غير المرغوب بها من هنا وهناك، فرأت أن موقفاً صارماً أمامها من الضحية ذاتها وخاصّة في المجتمعات الأوروبية قد يكون كافياً. 

وعادت بها ذاكرتها إلى بلدها، وأشفقت على أوضاع المرأة هناك، حيث من المجحف مقارنتها بقوانين أوروبا التي تميل كفتها إلى المرأة. 

مشهد تلك المرأة الهاربة من زوجها في ظلام الليل والدماء تسيل منها
هي التي لن تنسى مشهد تلك المرأة الهاربة من زوجها في ظلام الليل والدماء تسيل منها، وأصوات نحيب أطفالها الذين جمّدهم الخوف. وما أن يبزغ نور الصباح حتى تراها تجرجر أقدامها عائدة إلى البيت ذاته. تلك النسوة لا يجرؤن حتى على الذهاب إلى الشرطة، خوفاً من الفضيحة، حيث تعتبر المرأة أصل البلاء وحتى اغتصابها عار يلاحقها. كانت على يقين أنّ الآلاف من بنات جنسها في تلك البلاد يترقبن ما يحدث حول العالم ويأملن أن تصلهن تلك العدالة. 

بيد أنّ أياً منهن، قد لا يخطر على بالها أن يأتيها الوجه الآخر من هذه العدالة، وأن يكون المتّهم ابنها أو زوجها أو أخاها، وأن تعجز عن تصديق ما ينسب إليه من مزاعم قد تكون صحيحة أو ملفقّة. 

استسلمت لأفكارها المظلمة، وابتسمت باستهزاء، حين قرأت ذات يوم عمّا كان يدور في أوروبا من مؤتمرات في العصور الغابرة تتساءل إن كانت المرأة تنتمي إلى فصيلة البشر. 

“ماذا لو كان الرجل هو الذي ينتمي إلى فصيلة أخرى؟ هل يعقل أن يمرّ معظم ذكور العالم بتلك التجربة؟ كيف يفكّر الرجال؟ وهل يميلون في الواقع إلى هذه السلوكيات بينما يجبن بعضهم عن القيام بها؟ ما هو الحلّ إن استمرّ العالم على هذا النهج”؟

وباستهزاء قالت، قد يكون الحل في عالم من دون رجال وما علينا سوى النضال إلى أن نزجّهم جميعاً في السجون.
0

مقال
لم يبارح منزله، منذ سماعه ذلك الخبر. أشهر من التفكير والتحليل، أمضاها وهو في حالة من الذهول. هذا الرجل الأربعيني، الذي جاء إلى أوروبا، فتى يافعاً بأحلام كبيرة. 
ابن السبعة عشر عاماً، القادم من قرية صغيرة مختفية بين البراري والجبال وكروم العنب، وجد نفسه وحيداً في بلاد غريبة وشاسعة. هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله. أبعدوه وتعاملوا معه ببرود. كان شاباً مرهف الإحساس، انسحب بهدوء وتقوقع وحده في عالمه الخاص.

ثلاثون عاماً مرّت. تزوج خلالها وأصبح أباً. أحبّ عائلته، وتمسّك بها بشدّة. خاف أن يكرّر الزمن لعبته ويحرمه من عائلته الجديدة، بعد أن ترسخت ذكريات آلام فراقه عن أهله في أعماقه.  

ها هو القدر يلوّح له من جديد حاملاً مفاتيح زنزانته هذه المرّة. مهدّداً إيّاه بحياة خلف القضبان، بعيداً عن أطفاله وزوجته. ها هو يلصق به تهمة تحرّش، لا علم له بها. 

كانت امرأة بتفكير شيطاني قد نسجت قصّتها بهدوء، وأطلقتها في الوقت المناسب.  

اقتبست روايتها من الأفلام وأضافت إليها من خيالها. هدفت القضاء على رجل، لم يلتفت إلى مغازلاتها له ومحاولاتها اليائسة للتقرّب منه. 

وضعوه خلف الزجاج في قاعة محكمة. هو مجرم إلى أن تثبت براءته. مرّت أيّام قبل أن ينطق المحلّفون بحكمهم. 

كانت تأوي إلى فراشها بفرح الانتقام لجميع علاقاتها الفاشلة، والتجنّي على إنسان بريء. لكنّه رجل! أرادت من خلاله الثأر من جميع أبناء جنسه.
هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله
كان عاجزاً عن التركيز أو التفكير. نحت الأرق حفرتين حول مقلتيه، بعد أن أحرقت روحه فكرة إبعاده عن أطفاله.
لا يزال صدى كلماته يتردّد في أعماقي. في اليوم الأخير وقبل صدور الحكم كنت متأكّدة من براءته. وكان هو يتشبّث بأي كلمة تمدّه بالأمل. لكنّه قال لي وبغصّة تخنق حلقه ودموع تتجمّع في عينيه:
“قتلوا روحي وتحوّلت إلى إنسان آخر لم أعد أعرفه. هل يعقل أن أكون أنا هنا؟ أنا خائف. الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. حذّري ابني، الذي لن أراه لسنين طويلة، من الاقتراب من امرأة مريضة نفسياً”.  

جلست هناك أترقّب صدور الحكم، أمسكت ابنته بيدي من جهة ووالدته باليد الأخرى، كانت تعصر يدي من دون أن تشعر بذلك، وكنت أرتجف وأحاول طمأنتها:

“بريء. لا تقلقي”. لحظات مرّت ببطء شديد، كادت أن تخنق أنفاسنا. 

كانت امرأة بشعر أبيض رمادي، تلك التي نطقت بالحكم من قبل هيئة المحلفين:”مذنب”.

لم أستوعب الأمر إلاّ بعد أن اخترق صراخ ابنته قاعة المحكمة، وانهمرت دموع ابنة العشرين عاماً، التي ترى في والدها مثالاً أعلى للأخلاق والقيم. لم تفهم والدته مجرى المحاكمة والتفتت إليّ بدهشة، وصرخت: “ماذا جرى؟”.

نظرت من حولي، فرأيته متجمّداً في مكانه، يراقب ابنته، عاجزاً عن الاقتراب منها، أو ضمّها كما اعتاد أن يفعل كلّما واجهتها محنة.

“ماذا أقول لأخوي الصغيرين؟ ماذا أقول لهما حين يسألان وين بابا؟”، سألتني ابنته بحرقة. 

عانقتها بعد أن شلّ لساني. وعادت بي الذكريات إلى أزقّة ضيعتنا الصغيرة، حين ودّعناه مراهقاً. رحل عنّا مرغماً. تلك كانت رحلته إلى أرض الأحلام.
0