Your address will show here +12 34 56 78
مقال
لكل شيء إذا ما تمّ نقصان. لنعلم أنّ الأمر كله يقف على قناعة الإنسان. لا تقاس الأمور بالنجاح أو الخسران. ليست بالجمال ولا بالوسامة، ليست بالعصرية والحضرية والانفتاح، الأمر كله يتوقف على الأسلوب اللطيف، على الابتسامة الدافئة، على نقاء الروح، طيبة القلب ولين اللسان. لا تنسَ في نهاية المطاف أنك إنسان، ولتعلم في هذه الدنيا أنك كما تُدين تُدان.

هذّب روحك وارضَ بما آتاك الرحمن. اخفض جناح الرحمة لغيرك، وانظر كيف تكافئك الأزمان. علم نفسك الصبر إذا ما اشتدت عليك الأيام. إن التراكمات تصنع من ظلك وحشاً إذا ما تمكنت منك. لا تترك نفسك للأوهام.

دائماً ما أعتقد أن المحبة كالدرع، تقي النفس من الخذلان، ومقتنعة تماماً بأن عاداتك ليست فرضاً على الآخرين، وأن لكل شخص عاداته الخاصة، ولا يمكنك إرغام أحد على اعتناقك، فالمحبة والقبول كالأديان! يعتقد البعض أن الصراخ وسيلة القوي، وأن السكوت ملجأ الضعيف، ولكن هذا المبدأ كمن شهد على الحقيقة بالزور والبهتان!
لماذا تضع نفسك في مواقف أنت متأكد منذ البداية أنك لن تكون أحد الأطراف فيها، ألا تعلم أن من يضيع كل شيء ليسو أحد الأطراف، ولكن يضيعها المتفرجون!
في كثير من الأحيان نفعل أموراً لا نعلم هل هي الصواب أم الخطأ، ولكن كإنسان لا يهمك سوى الوصول إما إلى المخرج أو إلى طريق مسدود، وفي أغلب الأحيان نفعل ذلك ونحن موقنون أن النهاية ستكون جداراً مصفحاً سنرتطم به، وستتحطم أرواحنا إلى قطع صغيرة، ولكن مع الأسف نركض إلى الحطام كحصان أهوج يقترب من أحد الحواجز، موقناً أنه لن يتمكن من اجتيازه، وأن سقوطه سيكون مدويّاً، ولكنه يخاف الانسحاب، ليس لأنه شجاع، ولكن لأنه جبان! يخاف اللوم والمعايرة والانتقاد، ولو على حساب حياته.

لماذا لا نتعلم مبدأ أنا أفعل ما يناسبني، وأنت تفعل ما يناسبك. لم آتِ إلى هذه الدنيا لأحقق توقعاتك، ولم تأتِ إلى الدنيا لتحقق توقعاتي. هل هذا ما نؤول إليه جميعاً، يا ترى؟! هل كلنا أصبحنا ذلك الحصان الأهوج؟!

دائماً أقول: خسارة البدايات أفضل من خسارة النهايات. ليس مهماً ما يراه الآخرون، المهم ما الذي تراه أنت، ماذا يناسبك، ماذا تحب. نحن لسنا منزَلين، ولسنا كاملين. فلنتذكر دائماً: لكل شيء إذا ما تمّ نقصان.

يقال إذا لم ترد أن يغيروك، فحاول أن تغيّرهم، أصلح تلك القناديل المطفأة وأزل الحجارة كي لا تتعثر بها خطواتك إليك! أجل، نحن لا نسعى إلّا إلينا، نحن من نستحق الزحف.. لذواتنا فقط. إذا تطلب الأمر، فاختر ذاتك في النهاية، ليس عيباً، ليس خطأً، الأنانية قد تكون جيدة أحياناً!

في حياة كل منا أماكن ليس مسموحاً فيها الاقتراب، تكون هذه المنطقة منطقة أمان، منطقة راحة من أعباء الحياة، يوجد فيها كرسي الاعتراف، ليس لجلد أنفسنا، ولكن لتقييمهما، لتوجيهها، لمساندتها، لإعادة النظر في كل أمر تفعله.

يمكن التغاضي عن بعض الأمور، ولكن لنعلم أن الأمور المتوسطة والصغيرة، والصغيرة جداً سيأتي يوم وتتحول إلى أمور كبيرة، فلنعوّد أنفسنا مواجهةَ صغار الأمور قبل كبارها، فهذا يجعلنا أكثر دقة وحكمة.

السعادة لا تشترى بالمال، السعادة في راحة البال، في طمأنينة نفسك وسكون روحك وقناعة ذاتك. جميعنا نعرف كيف نكون أفضل مما نحن عليه، ولكن في مرات كثيرة نملّ ونتعب، نحتاج الهدوء والابتعاد، نقاوم أي نصيحة أو انتقاد، ليس انتقاصاً من قيمة الأمر، ولكن نحتاج لعقل فارغ دون أفكار، لا نريد المزيد لأننا مرهقون من القيل والقال.

يأتي على الإنسان حين تضيق به المدن رغم اتساعها، يريد الهروب من كل مكان، من المقاعد القديمة، والبيوت، من الذكريات الأليمة، لا يريد سماع الأسماء، لا يرغب في إلقاء نظرة على أغلفة الكتب، قلبه يضيق، يصرخ، يقول له: استفق، إنني أشعر بالضيق.. ويعاتبه! أأنت راضٍ الآن؟ ألم تكن صاحب القرار في هذا الطريق؟ لماذا تضع نفسك في مواقف أنت متأكد منذ البداية أنك لن تكون أحد الأطراف فيها، ألا تعلم أن من يضيع كل شيء ليسوا أحد الأطراف، ولكن يضيعها المتفرجون!

نعم هم أولئك الذين فقدوا الأمل، الذين أرهقهم السعي للا شيء، الخائفون من عتمة أعماقهم ومن مستقبلهم المجهول، هم من كانوا الأكثر حماسةً، والأكثر تفاؤلاً بالتغيير والوصول، أما الآن فاختاروا الراحة وتركوا القلق.

ما يبقيهم صامدين، إيمانهم! أجل، هو ما يجعلهم مستمرين وعلى قيد الحياة. حاول دائماً الاقتراب من الكبار، أصحاب النفس الطويل، من صبرهم صبر الجبال، السير إلى جانبهم يمهد لك الطريق، واهجر أولئك الذين آمنت بهم وكفروا بك، وخسفوا بك الأرض فوجدت نفسك بسببهم تسقط في كل عمق سحيق، ليس كل من ابتسم في وجهك صديق.

لا تسعَ للكمال، يجب عليك تعلُّم عدم المقارنة، عدم اللا مبالاة، عدم التدخل، عدم الثقة، عدم الضغط، عدم طلب الأمور. عوِّد نفسك عدمَ التعلق بأيّ أمر أو أيّ شيء أو شخص، لا شيء للأبد إلّاك. أمسك بيدك، وتعلم كيف تسير وحدك، وتعلم التصفيق بيد واحدة!
0

مقال
أصبحنا نشهد ثورة كبيرة لصفحات الموت البطيء، أو ما يسمى بالصفحات التي تحمل مشاعرك وتعبر عما بداخلك، ولكن هل حقاً بعض كلمات مسروقة من موقع ما قد تعبر عن ما يجول في نفسك، هل أصبحنا بهذه السذاجة؟

عند تصفحك، لصفحتك على فيسبوك مثلاً، وأنت تقلب فيها وإذ بمنشور يقول: “أنت مليء بالحزن، داخلك يحترق، لقد خانتك الحياة وخانك فلان، خسرت نفسك وأنت تحاول الحفاظ على من لم يتشبثوا بك”.. مع العلم أنك تكون قبلها في مزاج رائع أنهيت عشاءك للتو، وحدثت عائلتك عن يومك العظيم وإنجازك الفذ، ولكن بضع كلمات لا تدري فعلياً من قام بكتابتها قلبت كيانك رأسا على عقب!

لماذا؟ هل نفوسنا حقا تأبى السعادة؟ هل حقاً نحن نشعر بالنشوة من خلال تعذيب ذواتنا بأمور لا صلة لها بالواقع؟ ما السبب الذي يدعونا لتصديق صفحات فارغة المحتوى قد يكون مجرد الإعجاب بها سبباً في شهرتها وانتشارها ووصولها إلى آلاف الأشخاص الذين من المحتمل أنهم فاقدو الأمل ونحن زدنا الطين بلة بكبسة زر واحدة!
الحياة امتحان يحتوي على الأسئلة الصعبة، وسؤال سهل لا يحتاج للتفكير. في كل شخص منا شيء جيد، يمكن أن يكون مخبأ، ويمكن أن يكون ظاهراً، لكن لنعلم أننا مهما حاولنا إخفاء شيء ما ففي النهاية سوف يظهر..
مثل هذه الصفحات تحاول توسيع الفجوة بين الواقع والخيال، وجعل الإنسان أكثر سخطا على ما لم يستطع الوصول إليه، ما يجعل نفسه أكثر تطلباً وإلحاحا على ما هو غير موجود وغير ممكن.. بضع كلمات غير ذات معنى قد تكون سبباً في خسارتك لكل شيء وذاتك بالدرجة الأولى.. إن مجرد مقاطعة مثل هذه الصفحات تعد الخطوة الأولى للتمعن بما لدينا والرضى بما نملك.

هذا الموضوع لا يقتصر على صفحات الحزن فقط، ولا على الصفحات الكارثية حقيقة على المجتمع لمن يسمون أنفسهم المؤثرين الاجتماعيين، فهم يسعون بمثاليتهم المصطنعة إلى جعل متابعيهم مجانين بهذه الحياة التي ليست لها صلة بالواقع، وقد يتوجه الكثيرون من متابعيهم إلى اتباع أساليب مجنونة من خلال التقليد الأعمى لما يشاهدونه.

ولكن لنعلم أننا لسنا أقل شأنا من أولئك الذين نتابعهم، وأن كل شخص منا لديه ما يميزه عن غيره تمامًا، شيء هو يفعله بإتقان، بحُب، بشغف.. شيء مميز، يستحيل أن يتشاركه أحد معه، يتفرد هو فقط بإبداعه..

يجب أن نقتنع بأن حياتنا ليست وردية، وأنه مثلما فيها يوم سيئ، يوجد فيها يوم واحد على الأقل جيد، الحياة امتحان يحتوي على الأسئلة الصعبة، وسؤال سهل لا يحتاج للتفكير، في كل شخص منا شيء جيد، يمكن أن يكون مخبأ، ويمكن أن يكون ظاهراً، لكن لنعلم أننا مهما حاولنا إخفاء شيء ما في النهاية سوف يظهر.. لذلك لنجعل مكنوناتنا الداخلية عند ظهورها تعبر عن قيمتنا الحقيقية.

لا تأخذوا الجانب المريح من الأمور، وتصدروا أحكامكم عليها. أي لا تجعلوا ما تراه أعينكم على مواقع التواصل الاجتماعي تخدعكم، إنها محض منصات للتنظير وادعاء المثاليات، من أولئك المرتاحين الذين لا أحمال ولا ضغوط عليهم، كونوا على يقين بأنه لا توجد مثاليات في الحياة.. هم ليسوا رائعين، يأكلون ويشربون وينامون ولكن بطرق مبتذلة، هم بشر مثلنا إن لم يكونوا أقل، ولكن العين تسحر دائما باللمعان الأخاذ للأشياء..

راقبوا أولئك المدعين وقت الغضب، وقت الاختبارات الربانية، لا تحكموا بفوقية أو بُعد نظر، الأولى مختزلة ولا تعطي غير الشيء الذي على الوجه، والثانية قاصرة وغير واضحة. راقبوهم عن قرب، وبقرب شديد، لتفهموا أنكم تعيشون بشكل رائع!

في الحياة، لا بد من قواسم مشتركة لنبدأ بالمقارنة، وإلا فإنها تصبح مقارنة غير متكافئة فعليا، فتكون أي شيء آخر غير ذي معنى. ولكي تستطيع مواجهة ذاتك المتطلبة يجب أولاً أن تتعلم تقدير ما لديك، وثانيا لا تسمح لشيء بالتقليل منك أبدا، ولا بأي حال من الأحوال، والأهم من كل هذا، يجب عليك أن تتعايش مع واقعك، واقتنع بأن التجارب التي حاولت فيها وفشلت صنعتك، وأثرت فيك أكثر من التي نجحت فيها، تصالح مع أخطائك وتعلم منها بدل أن تلعنها..
0

مقال
ثمة حقيقة قائمة في الطبيعة وكذلك في الحياة نفسها ألا وهي النزاع أو الصراع أو التناقض، فالتناقض تجده بين الوجود والعدم، بين الحياة والموت، بين المطلق والنسبي، فكما أن الصراع قائم بين الماء والصحراء والضوء والعتمة تجده أيضاً بين الأفراد أنفسهم والمجتمعات والأنظمة والدول.

نقلت إلينا الكتب نزاع قابيل وهابيل، أي بين الإنسان الصيّاد والإنسان المزارع، بين من يجمع الغذاء من جهة ومن ينتج الغذاء من جهة أخرى، فإن قابيل وإن قتل هابيل إلا أن أحفاد هابيل وذريته كانت فيما بعد لهم الغلبة، لذا قامت المجتمعات الأولى على ضفاف الأنهر كوادي النيل وبلاد ما بين النهرين وضفاف نهر السند، ففي الوقت الذي بدأت المجتمعات الأولى على أحواض الأنهر راحت المجتمعات التي تقتات من الصيد تنقرض نحو الزوال.

فالمجتمع هو حضارة وتاريخ ولغة وأرض ومصالح اقتصادية يتميز بها أي شعب كان عن سائر الشعوب الأخرى، والأرض والمصالح لها حدود ومقومات وركائز، إلا أن الحدود والمصالح المشتركة ظلّت على الدوام عُرضة للتنازع تبعاً لموازين القوى..

فمصر القديمة كانت عليها حماية حدودها الجنوبية من النوبيين وحدودها الشمالية من الحثيين، وبلاد الإغريق كان عليها خوض حروب دامية بمواجهة الفرس وكذلك أيضاً كان الصراع بين روما وقرطاج.

إلا أن الحروب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فقد شهد العالم القديم أولى معاهدة سلام بين مصر الفرعونية والإمبراطورية الحثية في القرن الثالث عشر ق.م، وهكذا تم حل النزاع بالطرق السلمية والمفاوضات.

وإن استطاعت روما محو قرطاجة عن وجه الأرض فإنها هي نفسها اضطرت لمفاوضة البرابرة لوضع حد لغزواتهم عبر نهر الدانوب، وقبل ذلك بقرون عمد الإسكندر الكبير لمحاولة إيجاد عالم بدون حروب من خلال دمج الإغريق بالفرس، وفي الغرب بعد مائة سنة من الحروب بين فرنسا وبريطانيا اضطر البَلدان لعقد سلام بينها.

إن الحروب الدامية التي خاضها نابليون بونابرت هي التي أوصلت أوروبا إلى الاتحاد بين حربين عالميتين (1914 -1918) (1935-1945) اللتين أهلكتا حوالي مائة مليون من البشر، فقد حفظت البشرية درساً مريراً من جراء الحروب، فلا بد بالتالي من حل النزاع بين الدول بالطرق السلمية، والحق أننا نعيش في عالم مشبَع بأسلحة الدمار الشامل، فالنادي النووي يضم سبع دول تملك قنابل ذريّة ودولة غير معلنة هي إسرائيل”.

لقد كان لافتاً ومعبراً أن الكونغرس الأميركي وقد راعه ما جرى في اليابان في هيروشيما وناغازاكي عام (1945) أن استدعى العالم “أوبنهايمر” لاستيضاحه حول إمكانية إيجاد سلاح وقائي من مخاطر الحرب النووية أن تصيب أميركا، فأجاب: “نعم هناك سلاح وقائي واحد ألا وهو السلام”!
0

مقال
هل شعرت يوماً ما بأنك انجذبت لشخص لمجرد أنك رأيته مرة واحدة؟ هل جلست يوماً مع أحد الأشخاص لأول مرة وشعرت بأنك تعرفه منذ زمن؟ هل رأيته بموقف وأحسست أن روحيكما تعلقتا بشعور غريب؟

‏فالأرواح لها قدرة على التخاطر وإدراك خبايا الأنفس وأثرها عميق بعمق تجاذب تلك الأرواح، فالقلب الطيب من الناس يحنّ إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره ومن يشاكله، كل إنسان له شبيه روحي يتناسب معه، فكما أن هناك من يحبك بلا سبب، فإن هناك أيضاً من يكرهك بلا سبب.

قد تُعجب روحك بروح إنسان آخر تحس بمشاعر لا تعرف لها تفسيراً ولا تجد لها أثراً، فقط سوف ترتسم على جبينك ابتسامة تعجّب وتحس بشعور يمازج قلبك وفرح يداعب وجدانك وقد تستغرب أن جمع الله بينكما بموقف عجيب وغريب، هذه المواقف تجعل الإنسان يتأمل ويتفكر:

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة

“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف”، الحديث يشير إلى مسألة تآلف الأرواح التي تشابهت في الطباع والمزاج أو التركيب النفسي عكس تلك الأرواح المختلفة في الطباع والأمزجة أو التركيبات النفسية المعقدة. إن تجاذب الأرواح من أسمى وأرقى العلاقات الإنسانية، لأن الوجوه والأشكال تتكرر، أما الأرواح فلا تتكرر، فعالم الأرواح يتعدى الشكليات والماديات حيث التجانس في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية يورث تجاذب الأرواح، وهذا ما يسمى بالتخاطر العاطفي أو تجاذب الأرواح.

أرواح التقت واتفقت واشتاقت، يجمعها تجانس عجيب يساق بعضها إلى بعض، ويقول جبران خليل جبران: “ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تأتي بالمعاشرة الطويلة، ‏إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي”.

غالباً عندما تحب روحاً عابرة فتلك الروح تحب ما بداخلك، وهذا هو مبدأ تجانس الأرواح، مما يعني تدفق الحب بسهولة وانعقاده بلا تكلف أو مقدمات، إن التوافق بين إنسان وآخر لا يكون بسبب توافق عمري ولا جنسي ولا لوني أو بطول العشرة ولا بالرفقة المستمرة، ولكنه سر من أسرار التوافق الروحي،‏ واتحاد الأرواح في المفهوم الطاقي وتجاذبها هو توافق وتشابه في الهالات والذبذبة العالية والمرتفعة، فعندما يتناغم الفكر وتتعانق الأرواح ‏تتحطم أمامها كل المفاهيم المادية ليخلق توافق روحاني حيث تأخذنا الأقدار لنتقابل مع أرواح ‏تتجانس معنا، نحس بما يحسون ونستشعر ما يستشعرون وكأن هناك رابطا بين أحاسيسنا، والطبيعة شاهدة من حولنا على التوافق والتنافر، ففي الكيمياء هناك أيونات تتفاعل وتتجاذب، وفي الفيزياء عناصر تتآلف وتتنافر، وتجاذب الأرواح أقوى أنواع التجاذب، لأنها الأصدق إحساساً والأكثر عمقاً.

الحب ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي، وهو نتيجة انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة.

وفي علم النفس، سبب عدم قدرتك على إخراج شخص ‏من تفكيرك هو أن الشخص ذاته يفكر بك، إنه ‏تجانس الأرواح، والتشابه الأخلاقي يولد تجاذبا في الأرواح، ف‏روحه تحمل نفس المشاعر ‏ونفس الأفكار. ‏نذهل أحياناً عندما نجد إنسانا يشبهنا ليس بالمظهر ولكن في الروح، وهنا قد نتساءل: كيف يقع الحب؟

إن الحب الذي نتحدث عنه بين شخصين إنما هو أشبه بطاقة كامنة موجودة من قبل ويتم تأجيل المشاعر إلى حين وصول اللحظة المادية التي تجمع الروحين بلقاء حاسم فيتحقق تلاقي الأرواح و‏تناغم الفكر وتجانس النبض ولذة النظر، من هنا يمكن القول بأن علاقات الحب الناجحة المستمرة سببها تآلف الأرواح والعكس صحيح، ولعل هذه الظاهرة غريزة فطرية بعيدة عن الحواس الطبيعية الخمس.

في حياتنا أشخاص يعنون لنا الكثير والكثير مع أننا لم نخالطهم إلا فترة وجيزة وعليه لا يكون هذا التعلق ذنبا لأن تجاذب الأرواح أمر لا إرادي فالأرواح جنود مجندة، نحن لا نحب حين نختار ولا نختار حين نحب، إننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت.
0

مقال
أثارت كل تلك الضوضاء حول مسألة التحرّش الجنسي التي تشغل بال العالم اليوم، تساؤلات عديدة في رأسها. أرادت أن تبعد تلك الشهب السوداء التي راحت تجتاح مخيلتها. وسعت إلى التفكير خارج الصندوق، والبحث عن الهدف وراء كل هذه الجلبة التي طاولت شخصيات كبيرة بعد أن كانت تقتصر فقط على إرسال أشخاص مهمّشين إلى السجن وتتغاضى عن أصحاب المراكز. 

كل من حولها كان يعبّر عن اشمئزازه من هؤلاء الرجال الذين لم ترحمهم وسائل الإعلام ولا عامّة البشر. لم يكترث أحد بالألم الذي قد يطاول أطفالهم وأهلهم والمعاناة التي قد تدفعهم إلى الانتحار، كما حدث مع أحد النواب البريطانيين منذ فترة ولم يفكّر أحد ولو للحظة بمدى صحّة هذه الادعاءات.

لطالما اعتقدت أنّ الاعتداء الجنسي، لا يكون مقابل الوصول إلى النجومية أو الخوف على خسارة الوظيفة، وكانت ترى أنّ الرضوخ لهذا النوع من الاستغلال، يبدو خياراً أكثر ممّا هو أمر لا مفرّ منه. كان الاغتصاب بنظرها، الاستسلام تحت حدّ السيف، أي الروح مقابل الجسد، أو استغلال امرأة مقابل توفير لقمة عيش لأطفالها الجياع. 

أمّا عن تلك اللمسات غير المرغوب بها من هنا وهناك، فرأت أن موقفاً صارماً أمامها من الضحية ذاتها وخاصّة في المجتمعات الأوروبية قد يكون كافياً. 

وعادت بها ذاكرتها إلى بلدها، وأشفقت على أوضاع المرأة هناك، حيث من المجحف مقارنتها بقوانين أوروبا التي تميل كفتها إلى المرأة. 

مشهد تلك المرأة الهاربة من زوجها في ظلام الليل والدماء تسيل منها
هي التي لن تنسى مشهد تلك المرأة الهاربة من زوجها في ظلام الليل والدماء تسيل منها، وأصوات نحيب أطفالها الذين جمّدهم الخوف. وما أن يبزغ نور الصباح حتى تراها تجرجر أقدامها عائدة إلى البيت ذاته. تلك النسوة لا يجرؤن حتى على الذهاب إلى الشرطة، خوفاً من الفضيحة، حيث تعتبر المرأة أصل البلاء وحتى اغتصابها عار يلاحقها. كانت على يقين أنّ الآلاف من بنات جنسها في تلك البلاد يترقبن ما يحدث حول العالم ويأملن أن تصلهن تلك العدالة. 

بيد أنّ أياً منهن، قد لا يخطر على بالها أن يأتيها الوجه الآخر من هذه العدالة، وأن يكون المتّهم ابنها أو زوجها أو أخاها، وأن تعجز عن تصديق ما ينسب إليه من مزاعم قد تكون صحيحة أو ملفقّة. 

استسلمت لأفكارها المظلمة، وابتسمت باستهزاء، حين قرأت ذات يوم عمّا كان يدور في أوروبا من مؤتمرات في العصور الغابرة تتساءل إن كانت المرأة تنتمي إلى فصيلة البشر. 

“ماذا لو كان الرجل هو الذي ينتمي إلى فصيلة أخرى؟ هل يعقل أن يمرّ معظم ذكور العالم بتلك التجربة؟ كيف يفكّر الرجال؟ وهل يميلون في الواقع إلى هذه السلوكيات بينما يجبن بعضهم عن القيام بها؟ ما هو الحلّ إن استمرّ العالم على هذا النهج”؟

وباستهزاء قالت، قد يكون الحل في عالم من دون رجال وما علينا سوى النضال إلى أن نزجّهم جميعاً في السجون.
0

مقال
لم يبارح منزله، منذ سماعه ذلك الخبر. أشهر من التفكير والتحليل، أمضاها وهو في حالة من الذهول. هذا الرجل الأربعيني، الذي جاء إلى أوروبا، فتى يافعاً بأحلام كبيرة. 
ابن السبعة عشر عاماً، القادم من قرية صغيرة مختفية بين البراري والجبال وكروم العنب، وجد نفسه وحيداً في بلاد غريبة وشاسعة. هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله. أبعدوه وتعاملوا معه ببرود. كان شاباً مرهف الإحساس، انسحب بهدوء وتقوقع وحده في عالمه الخاص.

ثلاثون عاماً مرّت. تزوج خلالها وأصبح أباً. أحبّ عائلته، وتمسّك بها بشدّة. خاف أن يكرّر الزمن لعبته ويحرمه من عائلته الجديدة، بعد أن ترسخت ذكريات آلام فراقه عن أهله في أعماقه.  

ها هو القدر يلوّح له من جديد حاملاً مفاتيح زنزانته هذه المرّة. مهدّداً إيّاه بحياة خلف القضبان، بعيداً عن أطفاله وزوجته. ها هو يلصق به تهمة تحرّش، لا علم له بها. 

كانت امرأة بتفكير شيطاني قد نسجت قصّتها بهدوء، وأطلقتها في الوقت المناسب.  

اقتبست روايتها من الأفلام وأضافت إليها من خيالها. هدفت القضاء على رجل، لم يلتفت إلى مغازلاتها له ومحاولاتها اليائسة للتقرّب منه. 

وضعوه خلف الزجاج في قاعة محكمة. هو مجرم إلى أن تثبت براءته. مرّت أيّام قبل أن ينطق المحلّفون بحكمهم. 

كانت تأوي إلى فراشها بفرح الانتقام لجميع علاقاتها الفاشلة، والتجنّي على إنسان بريء. لكنّه رجل! أرادت من خلاله الثأر من جميع أبناء جنسه.
هرع إلى أقاربه الذين سبقوه إلى الغربة وتأقلموا معها، أراد التقرّب منهم ببراءة طفل مزّقه الحنين إلى أهله
كان عاجزاً عن التركيز أو التفكير. نحت الأرق حفرتين حول مقلتيه، بعد أن أحرقت روحه فكرة إبعاده عن أطفاله.
لا يزال صدى كلماته يتردّد في أعماقي. في اليوم الأخير وقبل صدور الحكم كنت متأكّدة من براءته. وكان هو يتشبّث بأي كلمة تمدّه بالأمل. لكنّه قال لي وبغصّة تخنق حلقه ودموع تتجمّع في عينيه:
“قتلوا روحي وتحوّلت إلى إنسان آخر لم أعد أعرفه. هل يعقل أن أكون أنا هنا؟ أنا خائف. الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. حذّري ابني، الذي لن أراه لسنين طويلة، من الاقتراب من امرأة مريضة نفسياً”.  

جلست هناك أترقّب صدور الحكم، أمسكت ابنته بيدي من جهة ووالدته باليد الأخرى، كانت تعصر يدي من دون أن تشعر بذلك، وكنت أرتجف وأحاول طمأنتها:

“بريء. لا تقلقي”. لحظات مرّت ببطء شديد، كادت أن تخنق أنفاسنا. 

كانت امرأة بشعر أبيض رمادي، تلك التي نطقت بالحكم من قبل هيئة المحلفين:”مذنب”.

لم أستوعب الأمر إلاّ بعد أن اخترق صراخ ابنته قاعة المحكمة، وانهمرت دموع ابنة العشرين عاماً، التي ترى في والدها مثالاً أعلى للأخلاق والقيم. لم تفهم والدته مجرى المحاكمة والتفتت إليّ بدهشة، وصرخت: “ماذا جرى؟”.

نظرت من حولي، فرأيته متجمّداً في مكانه، يراقب ابنته، عاجزاً عن الاقتراب منها، أو ضمّها كما اعتاد أن يفعل كلّما واجهتها محنة.

“ماذا أقول لأخوي الصغيرين؟ ماذا أقول لهما حين يسألان وين بابا؟”، سألتني ابنته بحرقة. 

عانقتها بعد أن شلّ لساني. وعادت بي الذكريات إلى أزقّة ضيعتنا الصغيرة، حين ودّعناه مراهقاً. رحل عنّا مرغماً. تلك كانت رحلته إلى أرض الأحلام.
0

مقال
الوثوق بما يقال لنا من قبل شخص غريب قد يكون في حد ذاته نوعاً من السذاجة. لكن مرافقته إلى وجهة مجهولة أثناء زيارتنا إلى بلد بالكاد نعرف عنه شيئاً، أشبه بمغامرة أو بتعبير أكثر صراحة ضرب من الغباء.

حين أستعيد ذكرى لحادثة حصلت معي يوماً، أفاجأ أنا ذاتي من ردة فعلي غير المحسوبة، وأتساءل كيف “صارت معي”؟..

توجّهت يومها إلى شاطئ البحر برفقة زوجي. كان اليوم الأخير لنا من رحلتنا على جزيرة كوسموي التايلاندية، فأردنا استغلاله على أفضل وجه. بيد أن خططنا تبدّلت، حين استوقفنا رجل على درّاجته النارية وراح يتحدّث إلينا بعفوية استلطفناها. كان يتمتع بروح مرحة أو ربما بخبرة عملية تسهّل تواصله مع أشخاص غرباء. تعارفنا وفي غضون دقائق استطاع إقناعنا بمرافقته إلى منتجع سياحي جديد.
ثلاث ساعات مرّت، حاولنا خلالها الرحيل أو بالأصح الهروب، بيد أنّنا فشلنا أمام إصراره. قدّم لنا عروضاً مختلفة، وطلب مبالغ تقارب المائة ألف جنيه إسترليني، مقابل عضوية تستمر لعشرين عاماً

قال لنا: “هناك حفل سيقام بمناسبة افتتاح المكان”، وإننا سنستمتع بالموسيقى وشاطئ البحر والمشروبات المجانية، مقابل ذلك علينا فقط التحدّث لمدة ساعة مع أحد الموظفين ليطلعنا على ما يقدّمه المنتجع من عروض. وقدّم لنا بطاقتي حظ. تضمنّت بطاقتي ثلاث جوائز تنوّعت بين جوال آيفون أو مبلغ مالي أو رحلة إلى أحد منتجعات الشركة المنتشرة في دول العالم والإقامة فيها لمدة أسبوع كامل مجّاناً.

ذُهل الرّجل حين أطلعته على ما تخبئه جائزتي. وقال بحماس: “أنت محظوظة للغاية. إنّها أكبر الجوائز التي يقدّمها المنتجع. لكن عليكما الآن مرافقتي لاستلام الجائزة”.

بدا الأمر مغرياً. أمّن لنا سيارة تاكسي، بعد أن ركن دراجته على جانب الطريق. وانطلقنا جميعاً من دون أي تفكير في ما يمكن أن نواجهه. مع العلم أنّنا لسنا مراهقين لم يخطر على بالي وبال زوجي المخاطر العديدة المتوقعة في مثل هذه الحالات: “سرقة، اختطاف، قتل، اغتصاب …”.

انقضت ساعة والسيارة تقطع بنا طرقات وعرة وغريبة لم نمر بها من قبل، إلى أن وصلنا إلى الوجهة المقصودة وقد بدت شبه منعزلة، تقبع على مرتفع جبلي يطلّ على البحر. في المكان عدد قليل من الناس يجلسون بالقرب من بركة سباحة. ولم نر أي دلالات تشير إلى حفل قد ينظّم لاحقاً. هي اللحظة التي أثارت شكوكنا.

لكن بما أنّنا أتينا إلى المنتجع بسيارتهم وتعهّدوا بتوفير سيارة العودة، تردّدنا في اتخاذ القرار بالرحيل أو ربّما تملّكتنا تلك الرغبة في اكتشاف المزيد. دخلنا مبنى، وقابلنا موظفاً رافقنا إلى طاولة مستديرة. كان شاباً لبقاً في العشرينيات من العمر، أسهب معنا في الحديث عن اهتماماتنا ووظائفنا. طبعاً أراد أن يعرف قدرتنا المادية على المشاركة في المنتجع ولم يكن مجرّد حديث لتمضية الوقت.

سألنا عن عدد البلدان التي نزورها كل عام والمبالغ التي نصرفها على إجازاتنا. وكان يحسب المبالغ التي قد ندفعها على مدى 20 عاما، ويقدّم لنا عرضاً أقل تكلفة في حال مشاركتنا بعضوية المنتجع.

ثلاث ساعات مرّت، حاولنا خلالها الرحيل أو بالأصح الهروب، بيد أنّنا فشلنا أمام إصراره. قدّم لنا عروضاً مختلفة، وطلب مبالغ تقارب المائة ألف جنيه إسترليني، مقابل عضوية تستمر لعشرين عاماً.

كنّا قد تجاوزنا مرحلة الملل بعد مرور خمس ساعات، ولم نعد نأبه بالحصول على الجائزة أو الاستمتاع بالحفل المزعوم، أردنا المغادرة فقط. أدركنا أخيراً أنّ الأمر هو مجرّد “مشاركة وقت”، المعروف بالإنكليزية باسم (Time-share)، فضلاً عن استماتة الموظف لإقناعنا بالصفقة بأي وسيلة.

يومنا الأخير في تلك الجزيرة أردناه مميزاً، وفي لحظة تبدّل كل شيء، لنستنفد ختام رحلتنا بحديث عقيم. لكن الأهم أنّنا نجونا من توقيع عقد وقع ضحيته أشخاص كثيرون ندموا على لحظة السير وراء خطط مموّهة توقع أصحابها في المجهول. إلا أنّني ولغاية هذه اللحظة أتساءل: كيف “صارت معي؟”.
0

مقال
في الحي الثقافي “كتارا” بقطر، وقبل أيام قلائل، شاركت في ورشة لكتابة الرواية، قدمها الدكتور أمير تاج السر، وهو علم من أعلام الرواية العربية الحديثة، وفي مناقشات بين التلاميذ والأستاذ سمعت عجبًا عجابًا؛ فبعضهم رصَّ جملًا إلى جوار بعضها، وابتعد كثيرًا عن جو الرواية من الأساس، وهذا لا بأس به فالبدايات دائمًا ما تحمل من الخطل والخطأ الشيء الكثير، أما ما يستوجب الوقوف عليه فغير ذلك!
نوقش الشاب في ضحالة اللغة والعك النحوي والصرفي؛ فما كان منه إلا أن رفع عقيرته قائلًا “فيه حاجة اسمها محرر”، ما يعني أن المحرر سيعيد الصياغة من ألفها إلى يائها، وأن دور الأخ سينصب على المجيء “بالديب من ديله”، وهذا في حد ذاته أهم من اللغة المفترض أن تكون جزءًا من سليقة الكاتب.

وفجأة تمثَّل بين عيني أكثم بن صيفي وهو يعظ أبناءه بقوله “المكثار كحاطب ليل”، وقد كان! إذ توسعت المناقشة مع الأخ إياه، وكشف عن طامة جديدة، قال: أنا لا أقرأ، أنا لا أحب القراءة! دارت الرؤوس تستكشف هول ما يقال، وتبودلت نظرات استياء بينهم، كيف يتعرض أحدهم للكتابة دون أن يقرأ؟ ألم يسمع هذا بما قاله أستاذنا إبراهيم عبد القادر المازني: “إن رأسي كعربة الرش، تحتاج إلى الامتلاء بالقراءة، قبل أن أفرِّغها بقلمي على الورق”.

وجاهدت لأبقى على قيد المتابعة، ونهيت ذاكرتي عن السباحة بي في عوالم أخرى، ولم يكن غريبًا أن يقول بسلامته إنه لم يقرأ رواية واحدة، وإن الكتابة لا علاقة لها بالقراءة، وأضاف بين السطور أنه يقرض الشعر، ولا أعرف أي شعرٍ يُقرَض من غير لغة! وسمعت الدكتور تاج السر يستنكر عليه قوله، ويقول إنه – مع كل ما نشره من أعمال – يواظب على القراءة ساعتين يوميًا!

ولن أتوسع في ذكر ما قيل، وتكفينا اللمحة الدالة على طريقة البلاغيين، ولا يصح أن يقول المرء إني سأكتفي بالمشاهدات الحياتية لأنقلها للناس في أعمالي، إذ عليه أولًا أن يتعرف إلى القواعد والقوالب، ثم له أن يخرج على الناس بطريقته الخاصة، بشرط أن يهضم القواعد ويفهمها، أما القائلون إننا نكتب “الكتابة التجريبية”؛ فهذا إن لم تسبقه ممارسة طويلة في دنيا الكتابة، لن يزيد كلامهم عن مجرد “قُصر ديل”.

لم يكتب نجيب محفوظ كتابةً تجريبية إلا بعد عام 1988، أي بعدما فاز بجائزة “نوبل”، وكان يتعاطى الكتابة منذ سنة 1928، ولم يفكر قبل “نوبل” أنه شيخ طريقة وصاحب مدرسة خاصة، ولا حتى أستاذ أو مدرس أول في دنيا الكتَّاب. الاجتراء على امتشاق القلم والتلاعب ببكارة الورقة البيضاء أمر يستخف به كثيرون، لا يعلمون أنّ ثمار ما يوضع في بطون الورق قد تأتي ممسوخة أو مشوهة الشكل، وعندها لن تفلح كل محاولات طبيب تجميل الكتابة “المحرر والمدقق اللغوي” في تحويلها إلى تحفة تروق الناظرين.

وبعد ممانعة طالت قليلًا، أسلمت العِنان لذاكرتي ورحت معها في جولتها الخاصة، كانت أول ما ابتدرتني به أن قالت: ما هذه السماجة؟ وكيف يتطاول الناس على مقام اللغة؟ وكيف لهم أن يزهدوا في القراءة ويحاولوا ما استطاعوا أن يلتصقوا بالكتَّاب؟ لم أحر جوابًا وأطرقت مليًّا علها تهدأ، لكن هيهات! قالت: إن هذا ليس وحي قلمٍ يدفعهم لتسطير خبراتهم، بل هو وحلُ قلمٍ سينزل على رؤوسهم وسيطمس أسماءهم.

وارتفعت حرارة حديثها – ولا أدري كيف أسكتها في ثورتها – وأمسكت بوريقات صُفر يفوح منها العفن، وألقت بها في النار قائلة: لو كان فيها خير ما تُركت ولا نُبذت، هذه أفكارٌ عقيمة، ظن أصحابها أنهم سيأتون بأبكار المعاني وألطاف المباني، لكن “نقبُهُم طلع على شونة” حين أمسكوا بالقلم، ولم يكن لهم صوت يُسمع حتى في حياتهم، كان صراخهم هسيسًا لا قدر له ولا قيمة.

ولما سكت عنها الغضب قالت: ذكرت في مطاوي حديثك أنه شاعر؛ أليس كذلك؟ قلت: بلى، هو ذاك، وفق ما سمعت! فأجابتني بصوتٍ كسير: ويلي على الشعراء! بالأمس كانوا منارة يرفعون خاملين ويخفضون خلفاء وأمراء ومرموقين، فصاروا اليوم لا يقرؤون، بل ويتبجحون بجهلهم وقلة بضاعتهم من القراءة. بالمناسبة – قالتها استدراكًا ولم أنطق طلبًا للسلامة – لا يعنيني هذا الذي ذكرت، ولا أعمِّم في حديثي عن الشعراء، بل إنهم قلة بين الشعراء الأفذاذ، ومؤكدٌ أن بضاعتهم في الشعر مزجاة، لكنهم نكأوا الجراح.

واستطردت: ذكرني كلامك بشاعرٍ آخر، إنه محمود حسن إسماعيل، وفي حديثه مع سامي داود، قال: “أنا لا أعترف بأيِّ شاعر ترتبط جذوره بثقافة الكتب، ولا بدَّ أن ينبع الشعر من التجارب النفسية المستقلة، ومن انصهارات الشاعر في العالم الواقعي الذي نعيش فيه”. غريبٌ أن ينادي الشاعر بالاعتماد على الوحي والإلهام وحده، وأن ينسلخ من الثقافة وصقل الموهبة؛ فإن هذا الانفصام يقتل الإبداع ولا يسعف المبدع على المدى الطويل، ولا بدَّ للشاعر والكاتب والأديب والروائي من الإلمام بما يجري واستيعابه؛ لتقديم طرح أدبي قوي وفلسفة تبقى، لا سيما أن الرواية – على سبيل الذكر – انتقلت من الحكي والحدوتة إلى عالم واسع من المعرفة.

في هذا التوقيت تحديدًا، كان عليَّ أن أتدخل وأدلي بدلوي – وإن قلت بضاعتي – فقطعت صمت إرسالي بقولي: صدقتِ ذاكرتي العزيزة، وفي هذا الإطار يرى أستاذنا رجاء النقاش في كتابه “أدباء ومواقف” أن سر إفلاس الشعراء العرب ضحالة الثقافة، واعتماد الشعراء العرب على مواهبهم وذكائهم الفطري، وهذا وحده لا يؤهل الشاعر لأن يعيش في عالم الأدب أطول من حياته.
وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار

وقد عقد النقاش مقارنة سريعة ومعبرة عن بواعث بقاء الشاعر خالدًا في دنيا الأدب، وأن الثقافة الواسعة هي معبر الشاعر لدنيا الخلود؛ فإن عمر الخيام وطاغور وشكسبير عاشوا عمالقة لأن لكل منهم فلسفته الخاصة والعالمية، بينما اكتفى الشعراء العرب بثقافة ضحلة أو ثقافة كسيحة لا تنهض بهم لمرتبة الكبار. لم يكتفِ النقاش بذلك، بل أورد عددًا من الأمثلة المُخجلة لمضمون فكرته.

ولما رأيت منها راحة لما تسمع، شجعني ذلك على الاستطراد – وهو أنا يعني مليش نفس؟ – فقلت: من هاتيك الأمثلة أن الشاعر علي الجندي كتب قصيدة “السائقات الفاتنات”، والقصيدة على سطحيتها إلا أنها ربما تعبر عن حال النساء في دولٍ سُمح لهن فيها بقيادة السيارات أخيرًا. وعن أجواء تلك القصيدة، قال الجندي: “كنت أسير في بعض ميادين القاهرة في صباحٍ مبكر؛ فكادت تصدمني سيارة تقودها فتاة ممن تسميهم الصحف السائقات الفاتنات، وقد سلمت من الموت ولكني لم أسلم من الفزع؛ فقد سقطت على الأرض وأنا مؤمن أني أصبت إصابة بليغة، وكانت مجاملة رقيقة من السائقة الفاتنة أن تطل من سيارتها فتطمئن علي، وقد غفرت لها ذنبها تكرمة لها، وبخاصة أنني عرفت أنها تنظم الشعر”.

هزَّ الموقف الشاعر فكتب قصيدة من ستين بيتًا بلا روح ولا عاطفة! وأنشد القصيدة الرديئة في مهرجان الإسكندرية للشعر! أما الشاعر الدكتور عبد العزيز برهام فقد نظم قصيدة من ستين بيتًا أيضًا، لكن موضوعها عن الحذاء الصغير! فكيف يقول الشعراء شيئًا ذا قيمة إن كانت هذه موضوعاتهم التي يدورون في فلكها. ومن قبل، كتب العقاد قصيدة المكوجي! وأخرى يرثي فيها كلبه “بيجو”، وأخرى لطفلٍ تعود شرب البيرة فقال: “البيلة البيلة، ما أحلى سلب البيلة!”.

وكتب شوقي قصيدة “بين مكسويني والأتوموبيل”، ومن قبلهم كتب البهاء زهير قصيدة البغلة! وللأمانة فبعض القصائد للدعابة ولا تخرج عن ذلك؛ فلا بأس بها، أما أن يكون الشعر كله عن مثل هذا فلا فائدة ترجى منه. زفرت ذاكرتي طويلًا، ثم تناولت كأسين من الأكسجين المنعش، وصمتت قليلًا – ولا أدري مبعث صمتها، ربما عاجلها الزهايمر – ثم قالت: نحن في أي سنة؟!

خيَّمت على وجهي دهشة، أحقًا هو الزهايمر؟ لكني أجبتها لأسايرها في ما ذهبت إليه: نحن في سنة 2020؛ فأنقدتني من حيرتي وهي تقول: ليتنا كنا سنة 1939 أو قبلها! أدركت أنها ترمي إلى شيءٍ بعينه، وإلا فإن عاقلًا لا يرتضي لنفسه أن يعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية، ويظل منقطعًا عن دنيا الإنترنت ومنشورات “فيسبوك” وتغريدات “تويتر” وعوالم – وأعتمد على حسن ظن القارئ في معنى العوالم – أخرى.

ولم تنتظر استفهامي عن تفجعها الحالي، ولماذا تريدنا أن نعيش في رحاب سنة 39؛ فسارعت تقول: في العدد 304 من مجلة “الرسالة” بتاريخ الأول من مايو/ أيار 1939، نشر توفيق الحكيم رسالة وردته من بعض القراء، وإني لأرجو أن يقرأ شباب سنة 2020 هذه الرسالة قبل أن يبادوا لامتشاق القلم؛ فأجبتها: لا أضمن لكِ ذلك، لا سيَّما وأن القراء – كالكرام – قليل، ويمكنكِ إن شئتِ أن تطلعينا على نص الرسالة، وبعدها “يفتح الله باب”.

قالت إنّ نص الرسالة على هذا النحو: “قرأت لك في مقال أنك تساعد ناشئة الأدب، واشترطت لذلك شروطًا، وإني راضٍ بها، وإليك ما يزيدك معرفةً بي؛ إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود، وذلك ناتج عن فقري. لا أقرأ غير الرسالة والرواية والثقافة، ولم أقرأ من الكتب غير بعض مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي وكتباً أخرى، وكانت كتابتي جيدة في الموضوعات الخيالية فقط، ولكني منذ بدأت أتأثر بكم؛ تغلَّبت طريقتكم عليَّ، وأنا قوي الذاكرة وأميل إلى التفكير، وأستطيع أن أنفق في شراء الكتب الأدبية ما يقرب من نصف الجنيه شهريًا، كما أني أستطيع أن أختلس للأدب خمس ساعاتٍ يوميًا”.

ويضيف صاحب الرسالة للحكيم: “لعل في هذه الإيضاحات ما يهوِّن عليكم أمر مساعدتي على السير في طريق الأدب الذي تصفونه بأنه وعرٌ وشائك، ولقد زاد إغرائي به ما نشرتموه في الرسالة من تحذيرٍ للشبان من الاشتغال به في هذا العصر”. وقبل أن تقرأ تعليق الحكيم على رسالة هذا الشاب، أريدك فقط أن تعيد قراءة جملته (إني قرَّاض تذاكر، أجري ضئيل يبلغ 120 مليمًا في اليوم، واطلاعي محدود)، يعني الشاب يعمل “كمساري”، وأجره زهيد، وقراءاتُهُ محدودة، ثم طالع الكلمات التي تليها (وذلك ناتج عن فقري)!

لم يقل: وذلك ناتج عن أنني لست من هواة القراءة، ولا لأنه يملك من الخبرات ما امتلكه المسعودي في كتابته “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، وأزرى من خلالها ببعض ما كتب الجاحظ وانتقده؛ لأنه أي المسعودي ارتكز على مشاهداته، بينما اعتمد الجاحظ على مطالعاته، والأمر ذاته عند ابن خلدون في مآخذه على بعض ما أورده المسعودي. المهم أن الشاب تعلل بقلة مطالعاته لضيق ذات يده، وليس تنزهًا عن القراءة ولا ترفعًا عن مسالكها.

وعلَّق الحكيم على هذه الرسالة قائلًا: “نشرت هذه الرسالة التي جاءتني ضمن عشرات الرسائل في هذا الموضوع لسببٍ واحد؛ هو عجبي وإعجابي بقارئ تلك حاله، يبذل عن طيب خاطر سدس مرتبه الشهري وقسطًا وافرًا من وقته في سبيل الأدب. إنه ذكرني بقراء أوروبا، أولئك الذين يخصصون جزءًا ثابتًا من ميزانياتهم للكتب، ووقتًا منتظمًا معلومًا للقراءة، مثل هؤلاء القراء هم الذين قامت على أكتافهم نهضات أوروبا الأدبية، وهم الذين ظهر من بينهم أدباء أوروبا العظام؛ فإن الأديب لا يتخرَّج في مدرسة، إنما ينبت في حقل الكتب والمطالعات الشخصية”.
ويواصل الحكيم تعليقه: “وفي الأدب الفرنسي الحديث، مثلٌ صارخ لأديب من أصل بلقاني هو پاناييت استراتي، لم يكن يعرف الفرنسية، ولكنه غرق سنوات من المطالعة، وضنَّ بماله القليل على الطعام، وأنفقه في شراء كتب جعل يلتهم صفحاتها التهامًا، وإذا هو في يومٍ من الأيام قد استطاع الكتابة بالفرنسية، وإذا هو كاتب معروف يربح من كتبه الألوف. أعطوني إذن ألفين من طراز هذا القارئ، وأنا أضمن لمصر نهضة أدبية رائعة، وأدباء جددًا يسيرون في طريق المجد”.

هل يجب علينا أن نرفع من شأن كاتبٍ لا يقرأ؟ أليس في ذلك ما يزيده تبحرًا في وحله؟ ألا ينجم عن ذلك – وينجر عنه – أن يزيد واقعنا وحلًا وسطحيةً وضآلة وتقزُّمًا ووكسة وخيبة وقلة قيمة؟ تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي – بين الحين والآخر – مقولة مفادها “لا تجعلوا من الحمقى مشاهيرْ”؛ فمتى نفيق من سطوة وحل القلم؟ ومتى نعود إلى رحاب وحي القلم؟

يرى بنيامين فرانكلين أن “استثمارك في المعرفة وتطوير ذاتك يمنحك العائد الأكبر”، ويقول تشارلي منغر الملياردير العصامي وشريك وارين بافت “كل الحكماء الذين قابلتهم في حياتي كانوا يقرؤون معظم أوقاتهم”. يأخذ باراك أوباما ساعة كاملة يوميًا في مكتبه للقراءة، ويقرأ بيل غيتس كتابًا كاملًا في أسبوع مع إجازة سنوية لمدة أسبوعين للقراءة فقط. أما ألفين توفلر فيؤكد أن “الأمية في القرن الحادي والعشرين لا تعني التوقف عن تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ولكنها تعني التوقف عن القراءة والتعلم والبحث باستمرار، وكذلك عدم طرح الأفكار وتطوير المعرفة”.

هل نصدق ابن المقفع والجاحظ وابن عبد ربه وبنجامين فرانكلين وشارلي منغر؟ أم نصدق محمود حسن إسماعيل ومدعي الثقافة؟ الأمر لك والقرار لك، والرجاء ألا تُسلم عِنان فكرك وألا تقتل وقتك في غير القراءة والتعلم والإفادة من وقتك، واحذر – ما استطعت إلى ذلك سبيلًا – من وحل القلم.
0

مقال
مع فجر التاريخ، بدأ الإنسان يصارع الوحوش ويروِّض بعضها، ونجح تدريجيًا في استئناس حيواناتٍ وسخرها لتنفيذ رغائبه، وابتعد عن تلك المستعصية على الترويض؛ فأمِن بطشها بقدر ابتعاده عنها. مع الإيغال في الحداثة والتكنولوجيا، بدا وحشٌ جديد يظهر على الساحة، وحش غريب لم يعهده الإنسان قبلًا، وإن استعمل الهنود الفيلة سلاحًا في حروبهم، فإن الوحش الجديد ليس له ضخامة الفيل، ومع ذلك فمخاطره أشد عاقبة ووبيلا.

مع ظهور الفقيد نوكيا 3310، لم يتوقع أشد المتشائمين – ولو كان شوبنهاور نفسه – أن ينقلب جهاز في حجم كف اليد إلى غول، “غول عينه حمرا” يسرق أعز ما نملك، ولا تذهب دماغك يمنةً ويسرة، فإن لفظة أعز ما نملك ترتبط بمعانٍ كثيرة، لكن المراد هنا سرقة الوقت! لا يملك المرء مهما حاول أن يعيد الزمن ثانيةً واحدةً للوراء، ربما يفعلها على الورق أو على شاشة السينما، إنما في دنيا الواقع فلا سبيل لذلك على الإطلاق.

لكن الأجهزة الذكية الحديثة، والتي تنظر لسلفها النوكيا 3310 وأترابه الغابرين، تسرق الوقت بأشكال مختلفة؛ فتارةً يجلس المرء ساعاتٍ ليقرأ أخبارًا طريفة، أو ليلعب لعبة جماعية ويرفع عقيرته بين آن وآخر “ماكو عرب في الطيارة؟!”، أو يدردش مع صديقته التي يظهر له لاحقًا أنها شاب، وما أكثر المقالب وأسخفها أحيانًا.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني تأثير إطالة التعزيز الجزئي؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني


فريقٌ آخر نذر نفسه لتحصيل المعارف والعلوم، يجلس لساعات طوال أمام الشاشات، يتابع فيلمًا وثائقيًا أو محاضرة علمية، والمحاضرة تجر الثانية والتاسعة والمئة والألف، ولن أحدثك عن مهندسي التصميم الغرافيكي والمونتاج والدوبلاج، وهكذا دواليك حتى ينظر أحدهم لمرآته مبهوتًا، فيردد مع أستاذنا الكبير عبد الباسط حمودة “بصيت لنفسي فجأة لقيتني كبرت فجأة.. وفصلت شبكتي”، ثم يُهنِّج وتظهر عليه أعراض Error 404، ونسأل الله السلامة.

واحد من التقارير الحديثة لسرقة الوقت، يطل علينا من مدينة الضباب، أجرته شبكة الاتصالات البريطانية “أوفكوم”، وأظهر التقرير تخصيص البالغين في بريطانيا مزيدًا من الوقت اليومي لاستخدام الأجهزة التكنولوجية، وبلغ متوسط الاستعمال اليومي (8.41 ساعة/يوميًا)، بينما معدل نوم هؤلاء (8.21 ساعات/يوميًا). هل تتخيل حجم السرقة اليومية من وقتك؟ يحدث ذلك بمجرد أن تنسل يدك إلى جيبك، وتمسك بالموبايل وتقلِّب فيه قليلًا؛ فتأخذ جولةً من تويتر إلى فيسبوك ثم تعرِّج إلى إنستغرام، ومنه إلى العزيز سناب شات ثم تقفز إن وجدت فرصة إلى تيليغرام وبينترست، ولربما تحدثك نفسك بتصفح البريد الإلكتروني.

في هذا العصر، كلنا هذا الرجل الذي يعاني متلازمة الشقلبة على مواقع التواصل، وبينما كان مجنون ليلى (يمر على الديار ديار ليلى/ يُقبِّل ذا الجدارِ وذا الجدارِ)، فإذا بنا نمر على بروفايل الكراش والحبيب والأنتيم والإكس وهلم جرا، وتنزف أوقاتنا وتُنتهبُ أعمارنا ونحن بين لاف ولايك وشير وكومنت وديسلايك! ولا يمنع المرء نفسه من النظر إلى موبايله كل دقيقتين، والبعض يشعر أن الدقيقتين رقم فلكي، فتراه يتفحص هاتفه في الدقيقة مرتين أو مرات!

هؤلاء يذكرونك بالفنان “بيتر سيلرز” في فيلم Dr. Stangelove، إذ أدى سيلرز دور دكتور يدعى ستانجيلوف، لا يملك السيطرة على يده، ما عرف لاحقًا بـ”متلازمة اليد الغريبة”، وإن كانت متلازمة اليد الغريبة تشير إلى اضطراب سلوكي فيؤدي المرء تصرفات لا يرغب بها مطلقًا، ويجد نفسه يقع في فخها لاشعوريًا؛ فإن التصفح المتكرر والمتقارب زمنيًا للهاتف يشي بمشكلة ما في التعامل مع الأجهزة الذكية.

في دراسة ثانية، ندرك أن الأشخاص يقضون ضعفي الوقت على الإنترنت، إذا ما كانت هواتفهم المحمولة من فئة الأجهزة الذكية، وذلك مقارنة بالأشخاص أنفسهم قبل عشر سنوات! ويخصص هؤلاء ما نسبته 28% من وقتهم لشبكات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن 20 ساعة على الإنترنت أسبوعيًا، وكذلك ساعتين ونصف الساعة لتصفح شبكات التواصل الاجتماعي أثناء التنقل في وسائل المواصلات.

دراسة ثالثة تطل برأسها، لكنها تأتي من بيئة العمل، وفيها أن موظفي المكاتب يقضون ساعةً يوميًا في ممارسة أنشطة غير متعلقة بالعمل، وأن نصفها تقريبًا يتعلق بالشبكة العنكبوتية، لكن هذه النسبة ليست دقيقة، إذ لم تشمل فحص سجلات الإنترنت، وإلا لقفز الساعة لتصبح ساعات، وربما تلتهم قدرًا كبيرًا من وقت الموظف.

البعض يتخذ من تفحص شبكات التواصل الاجتماعي ذريعة للنشاط، والابتعاد عن التوتر قدر المستطاع، بينما بعض الدراسات تشير إلى أن المرء يحتاج مدة للتعافي من تصفح البريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، تصل هذه المدة إلى 64 ثانية، في حين تؤكد دراسات أخرى أن المرء يقضي ثلاث دقائق في كل مهمة قبل الانتهاء إلى الأخرى.

تؤرق مشكلة الاندماج بالعالم الافتراضي والانفصال عن الواقع العلماء والأطباء وغيرهم؛ فنرى جيمي دين في كتابه “صنع العادات، كسر العادات”، يخصص فصلًا يتناول فيه أبعاد المشكلة، ويخلع على الفصل الثامن من كتابه عنوان “متصل بالإنترنت طوال الوقت”، واستهله باستعراض مشكلة فتاة يونانية تبلغ 24 ربيعًا، وقد أودعت بعيادة أمراض نفسية إثر انفصالها عن الواقع، وذوبانها بالكامل في عالم صداقات فيسبوك!

ويرى المؤلف أن التصفح المتقارب للبريد الإلكتروني وتويتر – وغيرهما – تشبه ما يطلق عليه علم النفس السلوكي اسم “جدول التعزيز الفاصلي المتغيِّر”؛ فالمرء يتحقق من بريده الإلكتروني كل خمس دقائق ترقُّبًا لجديد، وإن لم يحمل هذا الجديد قيمة تُذكر – أو على حد تعبيره “رغم تفاهة أغلب الرسائل التي تصل وضآلة قيمتها” – وإذا لم يجد شيئًا في بريده فإنه يمني نفسه بجديد بعد خمس دقائق أخرى، ويدور في حلقةٍ مفرغة.

لم يكتفِ جيمي دين بذلك، بل عمد إلى تشبيه هذا الشخص بالفأر! فإن الفأر يوضع في اختبار، وأمامه رافعة عندما يضغط عليها تظهر أمامه كرة صغيرة من الطعام، قد نجح الفأر في الحصول على هديته، وربط لاشعوريًا بين الضغط على الرافعة ووصول الطعام؛ فيعمد إلى تكرار الضغط على الرافعة، وإن لم يجد كرة الطعام ماثلة أمام عينيه، فإنه لا ييأس وتتوالى محاولاته، ويتحمل الشعور بالإحباط، ولا ينقطع عن متابعة الضغط على الرافعة وإن قلَّ معدل التكرار.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني “تأثير إطالة التعزيز الجزئي”؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني، أو يتفحص منشوراته على فيسبوك وتغريداته على تويتر وغيرها. للخروج من هذه الدوامة ينصح دين بضرورة تعزيز سلوك مختلف، وإن لم ينجح السلوك المختلف فإن العقاب قد يفي بجزءٍ مقبولٍ من الغرض.

يرفض دين تسمية هؤلاء بـ”المدمنين”، ويقترح التعامل بمصطلح بعض علماء النفس نفسه القائل إن هذه الحالات تعاني من “خلل في إدارة الذات”، ما يعني أن الشخص خارج نطاق السيطرة، وأنه ترك الأمر برمته لعقله الباطن ليتلاعب به. الخلل يكمن في أحد أمرين؛ إما الخلل في الملاحظة أو الخلل في رد الفعل، وكلما ترسخت هذه العادة ازدادت الحياة سوءًا. يؤكد دين أن حل المشكلة يكمن في نقطتين؛ الأولى مراقبة هذه العادات، والثانية إعادة القرار إلى العقل الواعي، ما يضمن أن الأمور تحت سيطرته.

إذا تركنا جيمي دين وانطلقنا في رحلة مع “روس ديكينسون”، وجدناه يأخذ بأيدينا إلى نقطة أثارها دين، وموجزها إثارة تعزيز سلوكٍ مختلف؛ فيختار ديكينسون عنوان كتابه “كيف تفصل الكمبيوتر والهاتف وتحرر التخيل والمغامرة”، ويضع عنوانًا فرعيًا “تحرر من أجهزتك الإلكترونية وانعم بحياتك”، وفي هذا الكتاب يضع قائمة أشبه ما تكون بـ”قائمة مرجعية” يمكنك الإفادة منها، ووصل حبل الود مع الناس والطبيعة والبيئة من حولك، والتخلص تدريجيًا من الشرنقة الخانقة التي نسجتها حول نفسك بتقوقعك على شبكات التواصل الاجتماعي وانزوائك عن محيطك الواقعي.

ويضع ديكينسون بين يديك قائمة موجزة من النصائح، للتحرر والانعتاق من سطوة هاتفك الخلوي، ويطرح عليك بدائل لحياة واقعية أكثر تفاعلية وإيجابية، نتعرف إلى هذه النصائح وغيرها قريبًا.
0

مقال
نواصل التطواف في الجزء الثالث والأخير من كتاب “صنع العادات، كسر العادات”، ويحمل هذا الجزء عنوان “تغيير العادة”، وفيه الفصول من (9 – 13). يتحدث الفصل التاسع عن بناء العادات، ويؤكد جيرمي دين على أن العادات لا تختفي، ومن ثَمَّ لا نبحث عن قهر عادة ما، بل نحاول تغيير العادة فحسب.

يرشدك المؤلف في مطلع هذا الفصل أن تسأل نفسك: ما العادة التي أريد بناءها؟ من أين يأتي الدافع؟ متى وكيف يجب عليَّ ممارسة السلوك ليتحول إلى عادة؟ كيف أتعامل مع الفشل وعدم الرضا ومشكلات الحياة اليومية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تختصر لك مسافات شاسعة في مشوار تحقيق أهدافك.

اختر هدفًا عظيمًا وضع في حسبانك أن بلوغه سيأخذ وقتًا ومجهودًا كبيرين، ولا تقع تحت وطأة التخيلات الإيجابية، فرِّق بين التخيل والتصور. إن طريقة تخيل نفسك ناجحا ستنجح لم تعد فعالة، الأمر أكبر من مجرد التخيل، ثم التزم بهدف محدد؛ فكل شيء لا يستقيم من دون الالتزام. استعمل – إن شئت – التخيل والتصور معًا بشرط أن تقرن بهما المقارنة؛ فتصبح المعادلة على النحو الآتي (التخيُّل: رؤية إيجابية تتخيل فيها المشكلة بعد حلها/ التصور: التفكير في الجوانب السلبية للوضع الحالي).
يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك
أما المقارنة فتركز على الدمج بين التخيل والتصور، وهي الاستراتيجية الأكثر نجاحًا، إنها أشبه ما يكون بتحليل SWAT، وتجبرك المقارنة على تقرير ما إذا كان الهدف قابلًا للتحقيق أم لا، وهذا ما تبحث عنه عند تبني عادة جديدة. استراتيجية المقارنة تعتمد الاختصار WOOP ويشير إلى (الأمنية، النتيجة، العائق والخطة). الإشكالية في استراتيجية المقارنة أنها صعبة من الناحية العملية، كما لا يحب الناس الانتقال من الأفكار السعيدة إلى الأفكار التعيسة.

حدد الدافع ثم ضع الخطة. تنصحك هايدي جرانت هالفورسون في كتابها “9 أمور يفعلها الناجحون على نحو مختلف”، بالإفادة من القاعدة الشرطة (إذا… فسوف)، بينما يطلق عليها جيرمي دين (إن… إذن)، والسياق (الموقف/ البيئة) المناسبة لتكوين العادة يجب أن توازن بين العام والخاص، أي يكون شاملًا لإتاحة فرص وافرة للممارسة، ومحددًا بما يكفي لتحفيز الإجراء المطلوب. من الطبيعي أن تحتاج الخطة للتعديل والتحسين.

مسألة أخرى تتعلق بالسياق، ألا وهي التوقيت! ما العوامل المؤثرة في استمرار ممارسة العادات الجديدة؟ ثمة عوامل تتحكم في متابعة مجرى العادات الجديدة، من بينها الرضا عن العادة الجديدة، وتتغلب على عدم الرضا بالحصول على دعم الآخرين لك، ومن ذلك مثلًا الانضمام إلى مجموعة لها الاهتمام نفسه. العادة خطوة سلوكية كبيرة، تتكون من خطوات سلوكية صغيرة بشكل تتابعي، فإذا اكتسبت التلقائية انتقلت إلى حيز العادة. تنقسم العادات -كذلك- إلى قوية وضعيفة، ويرتبط ذلك بالسياق، وتتراكم التصرفات اللاشعورية الصغيرة لتحقيق هدف واحد كبير، وهنا تترسخ العادة بدرجة أقوى، وندخل في إطار الحرب بين العادة والنية، وقد نوقش ذلك في الفصل الثاني تفصيليًا.

يلعب استخدام الخطط التنفيذية دورًا آخر لا يقل أهمية عن الرضا، ويتعين عليك مراقبة التقدم في العادة الجديدة، وقياس الأثر المترتب على عادتك الجديدة. من بين العوامل جميعها، احذر فخ المكافآت (أخطر الطرق)؛ لأن التعود عليها يُفقدها تأثيرها! وبمرور الوقت لن تسعفك المكافآت، وستضطر إما لرفع سقف المكافآت، وهذا يستنزفك ماديًا، أو اعتماد طرق أخرى أكثر جدوى.

من بين أبرز تحديات تكوين العادة الجديدة: الضجر والصرامة، وسيزيد معدل نجاحك بمقدار مرونتك، وهذه المرونة تكسبك القدرة على التعاطي مع العوامل الطارئة وتوظيفها لخدمة عادتك الجديدة، وتبعدك مسافة آمنة عن منطقة راحتك، ولكن لا تكن مرنًا في التقهقر إلى عاداتٍ قديمة تباعدت عنها. يكمن جمال العادات في أنها تصبح أكثر سهولة مع تكرارها؛ فالتكرار أساس ركين في تكوين العادات وإتقان المهارات.

ويناقش الفصل العاشر مفهوم “التخلص من العادات”، وهل حقًا يمكن التخلص من العادات غير السوية، والفرق بين التخلص من عادة ما وتغيير هذه العادة، ولماذا لا ننجح في قهر العادات القديمة وإن حاولنا؟! إن كلمة السر في بناء عادات جديدة موجزها (التكرار)، بينما كلة السر في التخلص من عادات قديمة (الوعي التام)، والمراد بالوعي التام أن يكون ذهنك حاضرًا في اللحظة الراهنة، لكنه للأسف لا يصلح للجميع، ويمكنك الانتقال إلى استراتيجية أخرى مثل المراقبة اليقظة، الإلهاء، تغيير الوضع.

يناسب الوعي التام العادات القوية، إذ يعد الاستراتيجية الأكثر فعالية، ثم الإلهاء في المرتبة الثانية، ويعني ذلك أن التخلص من عادةٍ ما يستلزم الحفاظ على انتباهنا؛ لندرك المحفزات والمغريات المرتبطة بالعادة. يواجهنا تحدٍ آخر يتمثل في أن الوعي التام يعمل فقط على المدى القصير، ويخذلنا على المدى الطويل، ومحاولة قمع الفكرة تجعلها أكثر رسوخًا في النفس، ما يؤكد أن القمع يأتي بنتائج عكسية وفق نظرية العمليات المتناقضة. هذه النقطة تحديدًا يعالجها كتاب “امتحان المارشميلو” الشهير، لمؤلفه أستاذ علم النفس بجامعة كولومبيا الدكتور والتر ميشيل، وكذلك يناقشها كتاب “خرافة الكاريزما” للأستاذة بجامعات هارفارد وييل وستانفورد، أوليفيا فوكس كابين.
مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم
هذا يأخذنا لنقطة مهمة، ومفادها أن التخلص من العادة القديمة يجب أن يكون بالإحلال والاستبدال، تمامًا على طريقة التفاعلات الكيميائية بالإحلال والإزاحة، وهذا يشمل تكوين عادات جديدة تحل محل عاداتنا القديمة، وليس بالإقلاع التام عن العادة القديمة، كما أن ذلك يشير لوجود العادة القديمة وإن كانت كامنة تتحيّن الفرصة للظهور. إن العادات القديمة تموت بصعوبة، تكون خاملةً ليس إلا؛ فبناء العادة الجديدة لا يدمر العادة القديمة وإنما يقيّدها، إنها مسألة منافسة بين العادتين والبقاء لمن غلب!

القدرة على ضبط النفس محدودة، البعض بارد برود الثلج لكنه لا يمكن أن يعول على بروده طوال الوقت؛ فقد يخذله ذلك في لحظة ما، ويمكن لمن يعاني من تراجع ضبط ذاته أن يمارس بعض الجهود المفيدة. التخلص من العادات القديمة يتأثر بوضع الخطط وتنفيذها بمرونة، مع قدر كبير من ضبط النفس وتغيير السياق، وهذا ضروري في إطار اكتساب العادات الجديدة، ربما تضطر لتغيير بعض الأصدقاء إن كانوا مدمنين وأردت أن تتعافى، قد تتخلى عن الشلة إن كانت جلساتكم تجبرك على تناول كميات كبيرة من الطعام، أو تغيِّر مكان اللقاء.

يأتي الفصل الحادي عشر تحت عنوان “العادات الصحية”، وفيه ندرك أن التغلب على العادات السيئة يعني تعزيز الدافع ودعم ضبط النفس، وأن طريقة المقارنة تعزز من قوة الدافع وتساعد على ضبط النفس، وأن الهدف الحقيقي للتغيير الشخصي هو إبعاد تفكيرنا عن العلاجات السحرية والإصلاحات السريعة، واعتماد استراتيجيات طويلة المدى. إن تغيير العادات ليس سباقًا للجري السريع، إنه ماراثون! ماراثون يتطلب عوامل دقيقة للتعامل وضبط السرعات والإفادة من الفرص المتاحة لتحقيق المراد، مع التزام سياسة النفس الطويل.

بينما الفصل الثاني عشر “العادات الإبداعية”، يعالج قضية الإبداع من طرق شتى، ويتسم الإبداع بكثير من الغموض، والعادة تكبح الإبداع، ومن هنا يأتي التحدي القاسي. يقدم المؤلف نصيحة للمبتدئين في المجالات الإبداعية: “تعمَّق في تحصيل المعرفة، واستمر في شحذ المهارات والعادات المطلوبة”.

يعرف الجميع أهمية الخبرة بالفعل، ولكن القليلين يدركون أن الخبرة والعادات المصاحبة لها تعوق الإبداع. أكبر خطر على الخبير هو الثبات الوظيفي، أن يعلق في روتين ممل دون أن يدرك ذلك. ولعلك تسأل: كيف أتخلص من طرق التفكير الاعتيادية؟ يمكن تعزيز الإبداع من خلال وضع بعض القيود؛ فالحاجة أم الاختراع، والحاجة تفتق الحيلة.

اطرح سؤال ماذا لو؟ فرِّق بين العقلية التراكمية والعقلية الاختزالية؛ فالعقلية التراكمية تضيف للموقف شيئًا ما (تفكيرها شمولي)، في حين أن العقلية الاختزالية: تطرح شيئًا عن الموقف (تفكيرها تحليلي). يساعدك الاستعداد كثيرًا؛ فخذ وقتك في التحضير والإعداد.

ثمة علاقة قوية بين الإبداع والقدرة على توليد الأضداد (التفكير اليانوسي/ التفكير التناظري)؛ فاستثمرها على طريقة المبتكرين. يمر المبتكرون بأربع مراحل (دافع قوي للابتكار، الابتعاد عن مسارات التفكير المطروقة؛ فيطرح طريقتين -أو أكثر- متعارضتين، ثم يدمج بين الأفكار المتناقضة، ومن خلال ذلك يبني فكرته الجديدة).

تعلَّم الفرق بين التفكير المجرد والتفكير التحليلي، واجمع بين العقل الشارد والعقل المسيطر؛ فإن مفتاح الإبداع يتمثل في التبديل بين العقل الشارد والعقل المسيطر، وليس تبني وجهة واحدة وطرح الأخرى في اليم.

في الفصل الثالث عشر والأخير “العادات السعيدة”، نتعرف إلى معوقات السعادة التي تتمثل في التعوُّد على النعم، والحفاظ على السعادة يستلزم ممارسة الامتنان، والثقة أن التنوع نكهة الحياة، مع ضرورة الاستمتاع باللحظة الراهنة قدر المستطاع. يزوِّدك المؤلف بموقعه الإلكتروني في حال أردت مناقشته أو الاطلاع على الدراسات الجديدة المتعلقة بموضوع كتابه، وهو من الكتب الجديرة بالقراءة والإفادة منها، ولا سيَّما أن أسلوبه مبسَّط وبعيد من التعقيد، وإن كان يعالج مسائل تتعلق بعلم النفس بالدرجة الأولى.
0