Your address will show here +12 34 56 78
مقال
مع فجر التاريخ، بدأ الإنسان يصارع الوحوش ويروِّض بعضها، ونجح تدريجيًا في استئناس حيواناتٍ وسخرها لتنفيذ رغائبه، وابتعد عن تلك المستعصية على الترويض؛ فأمِن بطشها بقدر ابتعاده عنها. مع الإيغال في الحداثة والتكنولوجيا، بدا وحشٌ جديد يظهر على الساحة، وحش غريب لم يعهده الإنسان قبلًا، وإن استعمل الهنود الفيلة سلاحًا في حروبهم، فإن الوحش الجديد ليس له ضخامة الفيل، ومع ذلك فمخاطره أشد عاقبة ووبيلا.

مع ظهور الفقيد نوكيا 3310، لم يتوقع أشد المتشائمين – ولو كان شوبنهاور نفسه – أن ينقلب جهاز في حجم كف اليد إلى غول، “غول عينه حمرا” يسرق أعز ما نملك، ولا تذهب دماغك يمنةً ويسرة، فإن لفظة أعز ما نملك ترتبط بمعانٍ كثيرة، لكن المراد هنا سرقة الوقت! لا يملك المرء مهما حاول أن يعيد الزمن ثانيةً واحدةً للوراء، ربما يفعلها على الورق أو على شاشة السينما، إنما في دنيا الواقع فلا سبيل لذلك على الإطلاق.

لكن الأجهزة الذكية الحديثة، والتي تنظر لسلفها النوكيا 3310 وأترابه الغابرين، تسرق الوقت بأشكال مختلفة؛ فتارةً يجلس المرء ساعاتٍ ليقرأ أخبارًا طريفة، أو ليلعب لعبة جماعية ويرفع عقيرته بين آن وآخر “ماكو عرب في الطيارة؟!”، أو يدردش مع صديقته التي يظهر له لاحقًا أنها شاب، وما أكثر المقالب وأسخفها أحيانًا.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني تأثير إطالة التعزيز الجزئي؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني


فريقٌ آخر نذر نفسه لتحصيل المعارف والعلوم، يجلس لساعات طوال أمام الشاشات، يتابع فيلمًا وثائقيًا أو محاضرة علمية، والمحاضرة تجر الثانية والتاسعة والمئة والألف، ولن أحدثك عن مهندسي التصميم الغرافيكي والمونتاج والدوبلاج، وهكذا دواليك حتى ينظر أحدهم لمرآته مبهوتًا، فيردد مع أستاذنا الكبير عبد الباسط حمودة “بصيت لنفسي فجأة لقيتني كبرت فجأة.. وفصلت شبكتي”، ثم يُهنِّج وتظهر عليه أعراض Error 404، ونسأل الله السلامة.

واحد من التقارير الحديثة لسرقة الوقت، يطل علينا من مدينة الضباب، أجرته شبكة الاتصالات البريطانية “أوفكوم”، وأظهر التقرير تخصيص البالغين في بريطانيا مزيدًا من الوقت اليومي لاستخدام الأجهزة التكنولوجية، وبلغ متوسط الاستعمال اليومي (8.41 ساعة/يوميًا)، بينما معدل نوم هؤلاء (8.21 ساعات/يوميًا). هل تتخيل حجم السرقة اليومية من وقتك؟ يحدث ذلك بمجرد أن تنسل يدك إلى جيبك، وتمسك بالموبايل وتقلِّب فيه قليلًا؛ فتأخذ جولةً من تويتر إلى فيسبوك ثم تعرِّج إلى إنستغرام، ومنه إلى العزيز سناب شات ثم تقفز إن وجدت فرصة إلى تيليغرام وبينترست، ولربما تحدثك نفسك بتصفح البريد الإلكتروني.

في هذا العصر، كلنا هذا الرجل الذي يعاني متلازمة الشقلبة على مواقع التواصل، وبينما كان مجنون ليلى (يمر على الديار ديار ليلى/ يُقبِّل ذا الجدارِ وذا الجدارِ)، فإذا بنا نمر على بروفايل الكراش والحبيب والأنتيم والإكس وهلم جرا، وتنزف أوقاتنا وتُنتهبُ أعمارنا ونحن بين لاف ولايك وشير وكومنت وديسلايك! ولا يمنع المرء نفسه من النظر إلى موبايله كل دقيقتين، والبعض يشعر أن الدقيقتين رقم فلكي، فتراه يتفحص هاتفه في الدقيقة مرتين أو مرات!

هؤلاء يذكرونك بالفنان “بيتر سيلرز” في فيلم Dr. Stangelove، إذ أدى سيلرز دور دكتور يدعى ستانجيلوف، لا يملك السيطرة على يده، ما عرف لاحقًا بـ”متلازمة اليد الغريبة”، وإن كانت متلازمة اليد الغريبة تشير إلى اضطراب سلوكي فيؤدي المرء تصرفات لا يرغب بها مطلقًا، ويجد نفسه يقع في فخها لاشعوريًا؛ فإن التصفح المتكرر والمتقارب زمنيًا للهاتف يشي بمشكلة ما في التعامل مع الأجهزة الذكية.

في دراسة ثانية، ندرك أن الأشخاص يقضون ضعفي الوقت على الإنترنت، إذا ما كانت هواتفهم المحمولة من فئة الأجهزة الذكية، وذلك مقارنة بالأشخاص أنفسهم قبل عشر سنوات! ويخصص هؤلاء ما نسبته 28% من وقتهم لشبكات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن 20 ساعة على الإنترنت أسبوعيًا، وكذلك ساعتين ونصف الساعة لتصفح شبكات التواصل الاجتماعي أثناء التنقل في وسائل المواصلات.

دراسة ثالثة تطل برأسها، لكنها تأتي من بيئة العمل، وفيها أن موظفي المكاتب يقضون ساعةً يوميًا في ممارسة أنشطة غير متعلقة بالعمل، وأن نصفها تقريبًا يتعلق بالشبكة العنكبوتية، لكن هذه النسبة ليست دقيقة، إذ لم تشمل فحص سجلات الإنترنت، وإلا لقفز الساعة لتصبح ساعات، وربما تلتهم قدرًا كبيرًا من وقت الموظف.

البعض يتخذ من تفحص شبكات التواصل الاجتماعي ذريعة للنشاط، والابتعاد عن التوتر قدر المستطاع، بينما بعض الدراسات تشير إلى أن المرء يحتاج مدة للتعافي من تصفح البريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، تصل هذه المدة إلى 64 ثانية، في حين تؤكد دراسات أخرى أن المرء يقضي ثلاث دقائق في كل مهمة قبل الانتهاء إلى الأخرى.

تؤرق مشكلة الاندماج بالعالم الافتراضي والانفصال عن الواقع العلماء والأطباء وغيرهم؛ فنرى جيمي دين في كتابه “صنع العادات، كسر العادات”، يخصص فصلًا يتناول فيه أبعاد المشكلة، ويخلع على الفصل الثامن من كتابه عنوان “متصل بالإنترنت طوال الوقت”، واستهله باستعراض مشكلة فتاة يونانية تبلغ 24 ربيعًا، وقد أودعت بعيادة أمراض نفسية إثر انفصالها عن الواقع، وذوبانها بالكامل في عالم صداقات فيسبوك!

ويرى المؤلف أن التصفح المتقارب للبريد الإلكتروني وتويتر – وغيرهما – تشبه ما يطلق عليه علم النفس السلوكي اسم “جدول التعزيز الفاصلي المتغيِّر”؛ فالمرء يتحقق من بريده الإلكتروني كل خمس دقائق ترقُّبًا لجديد، وإن لم يحمل هذا الجديد قيمة تُذكر – أو على حد تعبيره “رغم تفاهة أغلب الرسائل التي تصل وضآلة قيمتها” – وإذا لم يجد شيئًا في بريده فإنه يمني نفسه بجديد بعد خمس دقائق أخرى، ويدور في حلقةٍ مفرغة.

لم يكتفِ جيمي دين بذلك، بل عمد إلى تشبيه هذا الشخص بالفأر! فإن الفأر يوضع في اختبار، وأمامه رافعة عندما يضغط عليها تظهر أمامه كرة صغيرة من الطعام، قد نجح الفأر في الحصول على هديته، وربط لاشعوريًا بين الضغط على الرافعة ووصول الطعام؛ فيعمد إلى تكرار الضغط على الرافعة، وإن لم يجد كرة الطعام ماثلة أمام عينيه، فإنه لا ييأس وتتوالى محاولاته، ويتحمل الشعور بالإحباط، ولا ينقطع عن متابعة الضغط على الرافعة وإن قلَّ معدل التكرار.

بلغة علم النفس السلوكي فإن الفأر يعاني “تأثير إطالة التعزيز الجزئي”؛ فلا ينزعج من الفشل وإنما يتابع محاولاته، وهذا بتمامه ما يجري للإنسان عندما يتابع رسائل بريده الإلكتروني، أو يتفحص منشوراته على فيسبوك وتغريداته على تويتر وغيرها. للخروج من هذه الدوامة ينصح دين بضرورة تعزيز سلوك مختلف، وإن لم ينجح السلوك المختلف فإن العقاب قد يفي بجزءٍ مقبولٍ من الغرض.

يرفض دين تسمية هؤلاء بـ”المدمنين”، ويقترح التعامل بمصطلح بعض علماء النفس نفسه القائل إن هذه الحالات تعاني من “خلل في إدارة الذات”، ما يعني أن الشخص خارج نطاق السيطرة، وأنه ترك الأمر برمته لعقله الباطن ليتلاعب به. الخلل يكمن في أحد أمرين؛ إما الخلل في الملاحظة أو الخلل في رد الفعل، وكلما ترسخت هذه العادة ازدادت الحياة سوءًا. يؤكد دين أن حل المشكلة يكمن في نقطتين؛ الأولى مراقبة هذه العادات، والثانية إعادة القرار إلى العقل الواعي، ما يضمن أن الأمور تحت سيطرته.

إذا تركنا جيمي دين وانطلقنا في رحلة مع “روس ديكينسون”، وجدناه يأخذ بأيدينا إلى نقطة أثارها دين، وموجزها إثارة تعزيز سلوكٍ مختلف؛ فيختار ديكينسون عنوان كتابه “كيف تفصل الكمبيوتر والهاتف وتحرر التخيل والمغامرة”، ويضع عنوانًا فرعيًا “تحرر من أجهزتك الإلكترونية وانعم بحياتك”، وفي هذا الكتاب يضع قائمة أشبه ما تكون بـ”قائمة مرجعية” يمكنك الإفادة منها، ووصل حبل الود مع الناس والطبيعة والبيئة من حولك، والتخلص تدريجيًا من الشرنقة الخانقة التي نسجتها حول نفسك بتقوقعك على شبكات التواصل الاجتماعي وانزوائك عن محيطك الواقعي.

ويضع ديكينسون بين يديك قائمة موجزة من النصائح، للتحرر والانعتاق من سطوة هاتفك الخلوي، ويطرح عليك بدائل لحياة واقعية أكثر تفاعلية وإيجابية، نتعرف إلى هذه النصائح وغيرها قريبًا.
0